مقالات الرأي

أثر سياسات الحركة الإسلامية على الواقع السوداني وتحركات الصفوة بين الخطاب الشعبي وإدارة الفشل

بقلم: زيدان تور

شهد السودان خلال العقود الماضية تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، ارتبط جزء كبير منها بصعود الحركة الإسلامية إلى مواقع النفوذ والسلطة. وقد تركت هذه المرحلة آثارًا واضحة على بنية الدولة، والعلاقة بين المجتمع والنخب السياسية، وطبيعة إدارة الشأن العام.

ومن أبرز القضايا التي لا تزال تثير الجدل والنقاش: إلى أي مدى أثّرت سياسات الحركة الإسلامية في الواقع السوداني؟ وهل أصبحت تحركات الصفوة السياسية وسط الجماهير وسيلة لمعالجة الأزمات أم أداة لإعادة إنتاجها؟

اعتمدت الحركة الإسلامية في السودان على خطاب جمع بين المرجعية الدينية والمشروع السياسي، وطرحت رؤية تهدف إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق تصوراتها الفكرية. وفي بدايات التجربة، رأت قطاعات من المجتمع في هذا المشروع فرصة لتحقيق الإصلاح والاستقرار والتنمية. غير أن مسار التطبيق واجه انتقادات متزايدة تتعلق بتركيز السلطة، وإضعاف التعددية السياسية، وربط مؤسسات الدولة بالولاء السياسي أكثر من الكفاءة المهنية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، واجه السودان تحديات متراكمة تمثلت في الأزمات المالية المتكررة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع فرص التنمية المتوازنة بين الأقاليم. ويرى منتقدو التجربة أن السياسات الاقتصادية والإدارية المتبعة أسهمت في تعميق هذه الاختلالات، في حين يشير آخرون إلى أن العقوبات الدولية، والنزاعات المسلحة، والمتغيرات الإقليمية كانت عوامل مؤثرة لا يمكن تجاهل دورها في تعقيد المشهد الاقتصادي.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد أسهم الاستقطاب السياسي في تعميق الانقسامات بين مكونات المجتمع المختلفة، وأصبح الخطاب السياسي في كثير من الأحيان قائمًا على الاستقطاب والتعبئة أكثر من اعتماده على بناء توافق وطني شامل. وقد انعكس ذلك سلبًا على فرص الحوار الوطني وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وفي هذا السياق، برز دور الصفوة السياسية التي سعت إلى تكثيف حضورها وسط المواطنين من خلال اللقاءات الجماهيرية والخطابات العامة ومحاولات استعادة الثقة الشعبية. إلا أن هذا الحضور لم يكن دائمًا مقنعًا لقطاعات واسعة من الشعب، خاصة عندما لم يصاحبه تغيير ملموس في السياسات العامة أو تحسن حقيقي في الأوضاع المعيشية. ومن هنا ظهرت انتقادات ترى أن بعض تحركات الصفوة قد تتحول إلى نشاط رمزي يهدف إلى إدارة صورة الفشل أكثر من معالجة أسبابه وجذوره.

إن العلاقة بين النخب والجماهير لا تُقاس بمدى الظهور الإعلامي أو القرب الشكلي من المواطنين، بل بقدرة السياسات والبرامج على تحقيق نتائج ملموسة في مجالات العدالة والتنمية والخدمات العامة وبناء المؤسسات. كما أن أي مشروع سياسي يفقد قدرته على التجدد والاستجابة للنقد والمراجعة يصبح أكثر عرضة لفقدان الثقة الشعبية وتآكل شرعيته المجتمعية.

وفي النهاية، فإن قراءة التجربة السودانية تتطلب الابتعاد عن التبسيط واختزال المسؤولية في طرف واحد، فالأزمات التي واجهها السودان هي نتاج تداخل عوامل سياسية واقتصادية وتاريخية واجتماعية متعددة. ومع ذلك، تظل مراجعة تجارب الحكم وأداء النخب السياسية ضرورة ملحة لفهم أسباب التعثر واستخلاص الدروس اللازمة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.

ويبقى السؤال الجوهري أمام السودان ليس فقط من يحكم، بل كيف تُدار الدولة، وكيف تتحول السلطة من أداة للهيمنة والصراع إلى وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الاستقرار، وخدمة المجتمع بمختلف مكوناته.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x