مقالات الرأي

أخلاقيات النضال الوطني في السودان: من قيم الجماعة إلى فردنة الفعل الثوري

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)

تمثل العلاقة بين أنماط السلوك الفردي والتنظيم السياسي إشكالية مركزية في العلوم الاجتماعية، إذ ظل السؤال قائماً عبر العقود: هل يمكن لأي حركة تطالب بالسلطة أن تنجح في بناء دولة عادلة دون أن تعكس داخل تنظيماتها نفس مبادئ العدالة والشفافية التي تنادي بها؟ هذا السؤال الذي شغل علماء السياسة والأنثروبولوجيا، يجد اليوم تجلياته الأكثر إيلاماً في واقع النضال السوداني. ففي سياق السودان، نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤكدة إحصائياً: حركات نضالية وُلدت من رحم المعاناة الطويلة والقهر العميق، وخرجت إلى الشوارع ترفع شعارات الحرية والعدالة، لكنها سرعان ما تكرر أنماط العلاقات ذاتها التي سادت الأنظمة التي حاربتها. هذا المقال هو محاولة لتفكيك هذه الظاهرة بالاستناد إلى المنهج العلمي (الملاحظة، التحليل النفسي والاجتماعي، والمقارنة بين الثقافات)، مع تقديم نماذج من القارة الإفريقية، سعياً لاستخلاص رؤية نقدية تعيد الاعتبار للسلوك الأخلاقي كشرط لبناء دولة المواطنة المتساوية.لقد بات المشهد السياسي السوداني يعاني من اضطراب واضح في أنساق السلوك، تجلى في أشكال متعددة يمكن رصدها تجريبياً: من انتهازية بعض القيادات، إلى انقسامات حادة لا تستند إلى خلافات برامجية بقدر ما تستند إلى صراعات شخصية على النفوذ، ومن غياب للمساءلة داخل التنظيمات، إلى تراجع ملحوظ لقيم التعاون التي كانت سمة مميزة للمجتمع التقليدي. هذه الأزمة السلوكية لم تقتصر على نخب معينة، بل امتدت لتشمل قطاعات واسعة من الناشطين، مما جعل الفعل الثوري يفقد كثيراً من قبوله الشعبي. والسؤال العلمي الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن لحركة تطمح لبناء مجتمع متساوٍ أن تعجز عن تطبيق مبادئ المساواة داخل بنيتها الداخلية؟ الإجابة المؤقتة، كما سنرى، تكمن في أن هذه الحركات لم تتفكك من “عقدة الفردنة” التي ورثتها من مراحل سابقة، حيث أصبح الهدف النهائي هو وصول الفرد إلى موقع القرار، وليس بناء نظام قائم على المواطنة المتساوية التي تعني أن الحقوق والواجبات موزعة على الجميع دون وساطة قبلية أو حزبية أو شخصية.عند تحليل الهياكل الأخلاقية التقليدية في السودان، نجد أنفسنا أمام نظام معقد يمكن وصفه علمياً بأنه “أخلاق تقوم على العار الاجتماعي وليس على الشعور بالذات المستقلة”. الباحث توري نوردنستام، بعد سنوات من العمل الميداني، وثق كيف أن الفرد في المجتمعات السودانية التقليدية كان يشتق هويته الأخلاقية من انتمائه إلى الجماعة (العائلة، القبيلة، الحي). هذا يعني أن مفاهيم مثل “العار” كانت أكثر تأثيراً من أي مبدأ داخلي مجرد. فالخوف من فقدان المكانة الاجتماعية كان القوة الدافعة الرئيسية لتشكيل السلوك. وهذه الآلية، التي كانت فعالة في مجتمعات صغيرة ومستقرة، تحولت إلى سيف ذي حدين في سياق النضال السياسي الحديث. فمن جهة، أنتجت قيماً مثل الكرم والتضامن، ومن جهة أخرى، خلقت تبعية عميقة حيث أصبحت “الفضيلة” تُقاس بمدى انسجام الفرد مع توقعات جماعته، وليس بموقعه من مبادئ العدالة المجردة. هذا يفسر كيف يمكن لجماعة سياسية أن تتواطأ بصمت مع ممارسات غير أخلاقية تحت غطاء “الولاء للحزب” أو “النصرة للقيادة”. إن هذا الولاء للجماعة الضيقة (الفصيل، الحزب، المنطقة) هو النقيض التام لدولة المواطنة المتساوية، التي تفترض أن ولاء الفرد الأول هو للقوانين والمؤسسات ولكل حامل للجنسية بغض النظر عن انتمائه.بالانتقال إلى الأخلاقيات الإفريقية المقارنة، نجد الفيلسوف الغاني كوامي جيكي يقدم نموذجاً مختلفاً لما يسميه “الأخلاق القائمة على الشخصية”. في هذا النموذج، السؤال الأخلاقي ليس “هل هذا الفعل صواب وفق قاعدة مجردة؟” بل “أي نوع من الأشخاص سأصبح إذا فعلت هذا؟” والسمة الجوهرية هنا هي أن الفضائل (كالصدق والأمانة) والرذائل (كالخيانة والأنانية) ليست صفات فطرية، بل عادات تُكتسب وتُنمى عبر التكرار. هذا التحليل يتفق تماماً مع نظريات التعلم الاجتماعي الحديثة (مثل نظرية باندورا في التعلم بالملاحظة). فالشخص لا يولد فاسداً أو شريفاً، بل يصبح كذلك عبر الممارسة والبيئة المحيطة. وفي السياق السوداني، هذا يعني أن عقوداً من الممارسات السياسية غير الخاضعة للمساءلة أنتجت “شخصيات أخلاقية” معتادة على الكذب والانتهازية، ليس لأنهم أشرار بطبعتهم، بل لأن بيئة النضال كافأت هذه السلوكيات. وهنا يكمن الارتباط العميق بدولة المواطنة المتساوية: هذه الدولة لا يمكن أن تُبنى إلا إذا انتقل المجتمع من ثقافة “الشخصية الفاسدة القابلة للشراء” إلى ثقافة “الشخصية المؤسسية” التي تحترم القوانين لأنها تعلم أن مخالفتها ستؤدي إلى عقاب مؤكد. المواطنة المتساوية تعني أن لا أحد فوق القانون، وأن السلوك الأخلاقي ليس فضيلة اختيارية بل شرطاً للبقاء في اللعبة السياسية.ظاهرة خطيرة أخرى يمكن رصدها علمياً هي ما أسمتها المحللة السودانية سلافة الصديق “النضال الشكلاني”. هذه الظاهرة تصف تحول النضال من فعل هادف إلى مجرد “استعراض” قوامه الأساسي “شوفوني”. من منظور علم النفس السلوكي، ما يحدث هو أن “المكافآت” (كسب الإعجاب، الظهور الإعلامي، المناصب الوهمية) أصبحت مرتبطة بـ “مظهر النضال” وليس بنتائجه الفعلية. حين يلاحظ الناشط أن التصفيق يأتي من إلقاء خطاب ناري على منصة، بينما لا أحد يهتم بفتح ملف فساد صغير في حيه، فإنه يعيد توجيه سلوكه نحو الخطابات بدل الإجراءات. هذه الآلية تفسر لماذا تستهلك الساحة السياسية طاقات هائلة في صراعات هامشية ومظهرية، بينما تبقى قضايا الناس الجوهرية (كالتضخم، انهيار الخدمات، الفقر) خارج دائرة الاهتمام الفعلي. وهذا الاستعراض السياسي هو عدو لدود لدولة المواطنة المتساوية، لأن المواطنة المتساوية تتطلب سياسة قائمة على الأداء والنتائج وليس على العروض الخطابية. في دولة المواطنة، يُحاسب السياسي على ما أنجزه فعلاً للمواطن العادي، لا على عدد المرات التي ظهر فيها على الشاشات.من أعمق التحليلات العلمية لهذه الإشكالية هو ما يمكن تسميته “نظرية انحراف النخب”. الراصد للتاريخ السياسي السوداني منذ الاستقلال ك( مسمي) وماقبليها يجد أن النخب الحاكمة والمعارضة على السواء لم تقم بمهمتها الأساسية: بناء مؤسسات ديمقراطية عادلة. لماذا؟ لأن هذه النخب، كما توثق الدراسات السوسيولوجية، كانت وما تزال “طبقة برجوازية صغيرة” مصالحها مرتبطة بالدولة كجهة توزيع للريع والمنافع، وليس بالإنتاج أو الخدمة العامة. بمعنى آخر، الوصول إلى السلطة لم يكن وسيلة لبناء دولة المواطنة المتساوية، بل أصبح هو الغاية والهدف الأوحد. وهذا يفسر الظاهرة المحبطة: التحالفات الواسعة التي تنجح في إسقاط نظام ديكتاتوري تتفكك فور سقوطه، لأنها لم تكن مبنية على رؤية مشتركة لدولة المواطنة، بل على عدو مشترك فقط. حالما يزول العدو، تظهر التناقضات الجوهرية، ويتحول الصراع إلى اقتسام الغنائم بدلاً من بناء مؤسسات. هنا نصل إلى لب المشكلة: بدون وجود تصور واضح لدولة المواطنة المتساوية حيث الجميع سواسية أمام القانون وحيث الحقوق غير قابلة للتصرف، فإن أي نضال سينتهي حتماً إلى إعادة إنتاج ذات الأنظمة الأبوية والعميلة.تعاني الساحة السودانية اليوم من استقطاب حاد يمكن وصفه علمياً بأنه “تحويل الخلاف السياسي الطبيعي إلى عداوات شخصية”. في أي مجتمع ديمقراطي، الاختلاف في الرأي حول السياسات هو أمر صحي وطبيعي. لكن ما يحدث في السودان هو تحول هذا الاختلاف إلى اتهامات بالخيانة والولاء للنظام القديم والعمالة الخارجية. من منظور علم النفس السياسي، هذه الظاهرة تسمى “شيطنة الآخر” (demonization)، وهي آلية دفاعية تسمح للجماعة بتوحيد صفوفها داخلياً عن طريق خلق عدو خارجي أو داخلي. ولكن ثمن هذه الآلية باهظ: فهي تلغي إمكانية النقد الذاتي، وتجعل أي مساءلة مستحيلة، وتحول السياسة إلى حروب تصفية حسابات. دولة المواطنة المتساوية، في مقابل ذلك، تقوم على مبدأ “الاعتراف بالآخر” كمواطن كامل الحقوق وإن اختلف معك في الرأي. إنها تسمح بالمعارضة، وتحمي حق الاختلاف، وتعتبر أن التنوع في الآراء ثروة وليس تهديداً. لذا، فإن غياب “أخلاق الاختلاف” هو غياب لأحد الأسس الجوهرية لدولة المواطنة.من أكثر المظاهر إيلاماً لانهيار الأخلاق النضالية هو غياب شبه تام لآليات المساءلة. القادة الذين يفشلون فشلاً ذريعاً، أو يرتكبون أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية أو تضييع فرص تاريخية، نادراً ما يتحملون المسؤولية. بدلاً من ذلك، يلقون باللوم على الآخرين، أو يتحدثون عن مؤامرات خارجية، أو يجدون أنفسهم بعد فترة وجيزة في مواقع قيادية جديدة. من منظور علم الاجتماع التنظيمي، أي مجموعة بشرية تفتقر إلى “عقوبات واضحة للفشل” ستنحدر حتماً نحو الفساد. هذه الظاهرة تسمى “انعدام المساءلة الأفقية” (lack of horizontal accountability)، حيث لا يوجد فرد أو هيئة داخل التنظيم لها السلطة لمحاسبة القائد. والنتيجة هي أن القائد يتعلم أنه “معاق” ويمكنه فعل ما يشاء دون عواقب. هذا يتناقض تماماً مع مبدأ المساءلة العمودية والأفقية في دولة المواطنة، حيث القائد يخدم المواطن وليس العكس، وحيث توجد هيئات رقابية مستقلة (قضاء، تشريع، صحافة حرة) قادرة على مساءلته وإسقاطه إذا فشل.قبل أن نيأس، يمكننا النظر إلى نماذج إفريقية نجحت بدرجات متفاوتة في تجاوز هذه الإشكاليات. ● النموذج الأول والأهم هو تجربة جنوب إفريقيا بعد الأبارتايد. ما فعله المؤتمر الوطني الإفريقي بقيادة مانديلا كان ثورياً في جوهره: بدلاً من الانتقام، اختاروا “لجنة الحقيقة والمصالحة”. من منظور علمي، هذه اللجنة حققت أهدافاً متعددة: ☆أولاً، اعترفت بمعاناة الضحايا (وهو شرط نفسي أساسي للشفاء الجماعي). ☆ثانياً، قدمت عفواً مشروطاً لمن يعترفون بجرائمهم علناً (مما شجع على كشف الحقيقة بدل إخفائها). ☆ثالثاً، تجنبت دوامة الانتقام التي تمزق المجتمعات. ماذا يعني هذا لدولة المواطنة المتساوية في السودان؟ يعني أن الانتقال من نظام قائم على التهميش إلى نظام قائم على المساواة لا يمكن أن يتم عبر محاكمات عقابية فقط، بل يحتاج إلى آليات للاعتراف بالضرر الجماعي وإعادة بناء الثقة بين المجموعات المختلفة. دولة المواطنة لا تعني نسيان الماضي، بل تعني وضع قواعد واضحة للمستقبل مع معالجة جروح الماضي بطرق عادلة وشفافة.● النموذج الإفريقي الآخر هو التجربة السنغالية في مواجهة محاولات فرض قيم دخيلة. ما قام به المجتمع السنغالي لم يكن رد فعل متعصب، بل كان تعبيراً عن “مناعة مجتمعية” تجاه أنماط سلوك تتعارض مع أنظمته القيمية التقليدية. علم الاجتماع يقارن هذا بالجهاز المناعي للجسم: المجتمعات ذات التماسك الجماعي العالي تطور قدرة على التمييز بين ما هو مفيد وما هو ضار من الخارج. هذا لا يعني الانغلاق، بل يعني التكيف الانتقائي. بالنسبة للسودان، هذا يعني أن النضال من أجل دولة المواطنة المتساوية لا يجب أن يكون مجرد استيراد لنماذج غربية جاهزة، بل يجب أن ينبثق من خصوصيات المجتمع مع الاستفادة من التجارب العالمية. دولة المواطنة في السياق السوداني قد تعني إحياء آليات الصلح التقليدية (كالجودية) وتحديثها، بدلاً من استبدالها كلياً بأنظمة قانونية مستوردة لا تتوافق مع ثقافة المجتمع.ما هو المخرج إذن من هذه الأزمة؟ الإجابة، من منظور علمي، تتطلب تدخلاً على ثلاثة مستويات: ○المستوى الفردي (تعديل السلوك)○المستوى التنظيمي (بناء المؤسسات)○ والمستوى المجتمعي (إعادة تعريف القيم). على المستوى الفردي، يجب أن يكون هناك وعي بأن “الشخصية الأخلاقية” ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج عادات يومية. يمكن لأي ناشط أن “يعيد برمجة” سلوكه عبر ممارسة الصدق والشفافية بشكل متكرر، حتى يصبحا تلقائيين. على المستوى التنظيمي، لا بد من بناء آليات مساءلة حقيقية: صناديق اقتراع سرية داخل الأحزاب، تقارير أداء دورية، هيئات رقابية مستقلة، وعقوبات واضحة للانحراف. بدون هذه الآليات، أي حديث عن الأخلاق هو مجرد خطاب فارغ. أما على المستوى المجتمعي، فيجب إعادة تعريف “النضال” ذاته: النضال ليس صراعاً على كرسي السلطة، بل هو بناء تدريجي لمؤسسات دولة المواطنة المتساوية، حيث القانون هو المرجع الوحيد، وحيث الحقوق والواجبات واحدة للجميع، وحيث المواطنة هي الهوية الجامعة التي تتجاوز كل الانتماءات الفرعية (القبلية، الجهوية، الحزبية).دولة المواطنة المتساوية، في تعريفها العلمي، هي تلك الدولة التي تضمن لكل فرد يحمل جنسيتها مجموعة من الحقوق غير القابلة للتصرف (الحق في الحياة، الحرية، الملكية، التعليم، الصحة، المحاكمة العادلة) في مقابل مجموعة من الواجبات (احترام القانون، دفع الضرائب، الدفاع عن الوطن). في هذه الدولة، لا فرق بين مواطن وآخر بسبب أصله أو دينه أو منطقته أو انتمائه السياسي. القانون يحمي الجميع ويطبق على الجميع دون انتقائية. هذه الرؤية هي النقيض التام لما يحدث الآن في الساحة النضالية السودانية، حيث الولاءات الشخصية والضيّقة هي التي توزع الحقوق والامتيازات. إن التحول من ثقافة “الولاء للزعيم” إلى ثقافة “الولاء للقانون” هو أصعب تحول لكنه الأكثر ضرورة. وهذا لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها، بل يحتاج إلى جيل كامل من التربية المدنية والممارسة المؤسسية.الآن نصل إلى دور الفاعلين الجماعيين، وخصوصاً الكيانات المجتمعية المؤثرة (كالنقابات، الأندية، المنظمات الأهلية، والكيانات الدينية والثقافية). في السودان، لهذه الكيانات قدرة فريدة على “تشكيل المزاج الجمعي”. وهي أمام خيارين: إما أن تكون جزءاً من إعادة بناء الأخلاق النضالية على أسس المواطنة المتساوية، وإما أن تبقى أسيرة الخطاب التقليدي الذي يعيد إنتاج التبعية والولاءات الضيقة. دور هذه الكيانات في المرحلة الانتقالية ليس الانحياز لفصيل ضد آخر، بل العمل على “ترسيخ قواعد اللعبة” التي تضمن المنافسة العادلة والمساءلة وسيادة القانون. يمكنها أن تتحول إلى “مراقبين أهليين” للعملية السياسية، تنشر تقارير أداء عن القادة والنواب، وتنظم حملات توعية بحقوق المواطنة، وتخلق مساحات للحوار المجتمعي حول القضايا الجوهرية. هذا الدور لا يحتاج إلى تفويض من الدولة، بل يحتاج فقط إلى إرادة مستقلة وميزانية شفافة.ختاماً، لقد آن الأوان في السودان لإعادة تعريف شاملة لمفهوم النضال الوطني. النضال ليس شعارات ترفع في الميادين، وليس صراعاً على مناصب وهمية، وليس استعراضاً إعلامياً فارغاً. النضال في جوهره العميق هو: بناء الفرد، بناء المؤسسة، بناء دولة المواطنة المتساوية. كل فعل نضالي لا يساهم في ترسيخ مبدأ أن “القانون فوق الجميع” هو فعل فارغ أو ضار. كل قائد لا يخضع نفسه للمساءلة هو عائق وليس ناصراً للقضية. كل حركة لا تضع خريطة طريق واضحة لانتقال السلطة السلمي داخلها هي نسخة مصغرة من النظام الذي تحاربه. إن “الفعل النضالي الحقيقي” هو ذلك الفعل الذي يزرع بذور دولة المواطنة حتى قبل أن تتحقق هذه الدولة على الأرض: عبر ممارسة الشفافية في الحسابات، واحترام الرأي الآخر، والخضوع للقوانين الداخلية، والاعتراف بالخطأ، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.التحدي الأكبر أمام الحركة النضالية السودانية اليوم هو: هل ستتعلم من دروس الماضي؟ هل ستتمكن من تجاوز أزمتها السلوكية العميقة؟ هل ستستعيد ثقة الشعب الذي خرج في ثورة ديسمبر العظيمة؟ الثورة أعطت فرصة تاريخية ربما لن تتكرر. لكن الفرصة وحدها لا تكفي. المطلوب هو مراجعة نقدية جذرية، تتجاوز “النضال الشكلاني” السطحي إلى نضال حقيقي قائم على القيم الإجرائية التي تنتج دولة المواطنة. هذا يتطلب شجاعة نادرة: شجاعة الاعتراف بأننا (القوى النضالية) كنا جزءاً من المشكلة، وأن علينا أن نكون جزءاً من الحل. يتطلب التواضع لتعلم أفضل الممارسات من تجارب الآخرين (كجنوب إفريقيا ورواندا وغانا). ويتطلب الصبر لبناء المؤسسة تلو المؤسسة، وقانوناً بعد قانون، وجيلاً بعد جيل.لن يتحقق التغيير المنشود في السودان، ولن تبني الأجيال القادمة دولة العدل والكرامة التي تستحقها، ما لم تستعد القوى النضالية الاعتبار للسلوكيات القائمة على القواعد والمبادئ كبنية أساسية لأي مشروع تغييري جاد، وليس كمسألة هامشية يمكن تأجيلها. وما لم تدرك هذه القوى أن “السياسة أخلاق أو لا تكون” ليس شعاراً دينياً، بل حقيقة عملية: أي نظام سياسي يفقد الأخلاق (أي يفقد الشفافية، المساءلة، سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان) يفقد شرعيته ويصبح نسخة مما حاربه. في النهاية، وكما تؤكد حكمة إفريقية خالدة تختصر تجارب قرون: “الفضيلة أثمن من الذهب، وحين تؤسس فضيلة مدينة بأخلاقها، تزدهر تلك المدينة وتدوم للأجيال. أما المدن التي تُبنى على المصالح الشخصية والانتهازية، فلا تدوم وتهدم على رؤوس بانيها”. هذا هو الدرس الأعمق للنضال الوطني في السودان: إما أن يكون النضال تعبيراً عن أرقى قيم المواطنة المتساوية (المساءلة، الشفافية، سيادة القانون، احترام الاختلاف)، وإما أن يكون مجرد حلقة أخرى في مسلسل الفساد والاستبداد الذي يئن منه الشعب السوداني منذ الاستقلال المميت. الخيار، في النهاية، هو خيار القوى النضالية والشعب السوداني العظيم معاً. فلينهض السودان بدولة المواطنة المتساوية، أو ليظل أسيراً لدائرة المآسي التي لا تنتهي.

تاريخ 23أبريل 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x