أزمة الإسلاميين وأثرها على التعليم في السودان: نحو علمنة وديمقراطية وفدرالية التعليم وفق رؤية حركة/ جيش تحرير السودان

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
لم يكن التعليم في السودان يوماً بمعزل عن الصراع السياسي والفكري الذي ينهش هذا الوطن منذ فجر الاستقلال، لكنه في ظل المشروع الإسلاموي بلغ ذروة التسييس والاختطاف، حتى غدا التعليم سلاحاً بيد السلطة لا وسيلة لتحرير الإنسان.
فمنذ انقلاب الجبهة الإسلامية القومية عام 1989، ارتكز النظام على هندسة الوعي عبر المدرسة والجامعة والمنبر، بهدف تشكيل جيل لا يسائل ولا يفكر، بل يُطيع ويبرر ويقدّس الحاكم باسم الدين. هكذا تحولت المدرسة من فضاء للمعرفة إلى مؤسسة لتدجين العقول، وانقلبت الجامعات إلى ساحات تعبئة حزبية، وفقد التعليم جوهره الإنساني والعلمي في آنٍ واحد.
لقد بنى الإسلاميين مشروعهم على ما سموه “أسلمة المعرفة”، وهو شعار مضلل أرادوا به إخضاع المعرفة العلمية والفكرية لمرجعية أيديولوجية أحادية تُقصي التنوع وتستبدل بالبحث والتجريب منطق الفتوى والولاء. وبدلاً من أن تُخرّج المدرسة جيلاً مفكراً مبدعاً، أفرزت جيلاً مقطوع الصلة بروح النقد والابتكار، لا يعرف من العلم إلا ما يخدم الخطاب الرسمي. فتم تجريف المناهج من الفلسفة والمنطق، ومنعت دراسة النظريات الحديثة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة، وأُدخلت بدلاً عنها مواد تعبئة دينية تكرّس نظرة أحادية للوجود والإنسان.
ولأن التعليم هو انعكاس لبنية الدولة، فإن السيطرة على المناهج لم تكن سوى امتدادٍ لبنية سلطوية ترى في العقل الحر تهديداً وجودياً لها. فبدل أن تكون المدرسة بوتقةً للوحدة الوطنية، تحولت إلى أداة لتفريق السودانيين وفق مقاييس الولاء العقائدي والقبلي. لم يكن الهدف بناء وطنٍ واحد، بل بناء قاعدة اجتماعية للنظام تحت لافتة “التوجه الحضاري”، أي مشروع إيديولوجي لتشكيل وعيٍ يُخضع الدين والسياسة معاً لمنطق السلطة.
لقد أصيب التعليم في السودان في عهده الإسلاموي بثلاث علل قاتلة: أولها، تسييس المناهج بحيث صارت أداة تعبئة لا أداة معرفة؛ وثانيها، تديين المعرفة حتى أصبحت كل فكرة لا تمر عبر “الفلتر الديني” الرسمي تعد كفراً أو تهديداً للأمن؛ وثالثها، مركزة القرار التعليمي في الخرطوم، حيث يكتب رجال السلطة من خلف مكاتبهم ما ينبغي أن يتعلمه أطفال الأقاليم البعيدة التي لم يعرفوها يوماً. كانت النتيجة اغتراب التعليم عن المجتمع، وانفصاله عن واقع البلاد المتعدد الأعراق والثقافات واللغات.
وفي مقابل هذا الخراب الفكري والسياسي، برزت رؤية حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور كأفق ثوري لإعادة الاعتبار للتعليم بوصفه الفضاء الأول للتحرر الإنساني وبناء المواطنة المتساوية. ترى الحركة أن التعليم هو ساحة المقاومة الكبرى ضد الظلم البنيوي، وأنه لا يمكن بناء وطن عادل بعقل مُستعبَد أو بعلمٍ مؤدلج. من هنا جاءت دعوتها إلى علمنة التعليم، ليس كعداء للدين بل كتحرير للمعرفة من التوظيف السياسي للدين. فالعلمنة في معناها التحرري هي فصل المقدس عن المصلحي، وفصل الإيمان عن الاستغلال، وتحرير المدرسة من سلطة الفقيه السياسي الذي يستخدم الدين لتبرير امتيازاته.
التعليم في نظر الحركة يجب أن يكون مفتوحاً أمام جميع الرؤى، وأن يقوم على مبادئ التفكير النقدي، والتعدد الثقافي، واحترام العقل الإنساني كمرجعية عليا. فلا علم بدون حرية فكر، ولا معرفة بدون تعددية في الرؤية. وكما قال الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور: “نريد تعليماً يفتح العقول لا يغلقها، ويحرر الإنسان من الخوف لا يسجنه في الطاعة.”
أما ديمقراطية التعليم في مشروع الحركة، فهي الوجه الاجتماعي للحرية الفكرية. فالتعليم الديمقراطي لا يعني فقط حرية المناهج، بل أيضاً عدالة الفرص. ففي السودان ما تزال الفوارق الجغرافية والطبقية تصنع جداراً من الظلم بين أبناء الجبال والهامش وأبناء المدن الكبرى. في حين يعيش أطفال الأقاليم حرب الجهل والحرمان، تُغرق العاصمة في مشاريع تعليمية ممولة من الخارج لا تصل أثرها إلى القرى والفرقان. ومن هنا فإن ديمقراطية التعليم تعني كسر هذه اللامساواة البنيوية بإعادة توزيع الموارد التعليمية، وتأهيل المعلمين في كل الأقاليم، وربط التعليم بالتنمية المحلية.
وفي رؤية الحركة، لا تكتمل علمنة التعليم ولا ديمقراطيته إلا عبر فدراليته، أي منحه طابعاً لامركزياً يعبّر عن التعدد الثقافي والمعرفي في السودان. فدرالية التعليم ليست مجرد هيكل إداري، بل تحرر معرفي من هيمنة المركز. وهي تقوم على مبدأ أن لكل إقليم الحق في صياغة جزء من مناهجه بما يتوافق مع ثقافته ولغته وخصوصيته الاجتماعية، ضمن إطار وطني موحد يحفظ الهوية العامة. هذا التصور يُعيد للمجتمعات المحلية دورها في صناعة المعرفة، ويجعل التعليم نتاجاً للتفاعل بين المحلي والوطني لا إملاءً فوقياً من الخرطوم.
تقوم فلسفة الفدرالية التعليمية أيضاً على فكرة العدالة المعرفية، أي ضمان أن تصل فرص التعليم النوعي إلى جميع أبناء السودان دون تمييز. فالتلميذ في جبل مرة أو النيل الأزرق يجب أن يتلقى تعليماً نوعياً يوازي نظيره في الخرطوم، لا أن يُترك ضحية لانقطاع الدعم وغياب المعلمين. كما ترى الحركة أن فدرالية التعليم تتيح تطوير اللغات المحلية ضمن المنظومة التربوية، لأن الاعتراف باللغة هو اعتراف بالإنسان وذاكرته. فبناء وطن متعدد لا يمر عبر فرض لغة واحدة، بل عبر احترام تنوع الألسن التي تنطق باسم الوطن الواحد.
وهنا يتضح البعد الفلسفي في طرح الحركة: فهي لا ترى التعليم مجرد وسيلة لخلق فرص عمل، بل مشروعاً لتكوين مواطن حرّ. فالمواطن لا يُخلق بالولادة بل بالتربية، والتعليم هو رحم المواطنة. فكما قال أميلكار كابرال: “تحرير العقل هو الخطوة الأولى في تحرير الوطن.” ولذلك فإن التعليم التحرري هو الشرارة الأولى لبناء الدولة المدنية الديمقراطية، لأنه يزرع في الإنسان قيم السؤال، لا ثقافة الإجابة المعلبة.
وفي خضم الحرب الحالية التي تمزق السودان، تكشف المأساة التعليمية عن عمق الجرح الذي خلفه الإسلاميين في وعي الأمة. فقد أُغلقت الجامعات، وتحوّلت المدارس إلى مراكز للنازحين، وهُجّر الأساتذة والطلاب على حد سواء. لكن وسط هذا الظلام، تبرز رؤية الحركة كضوء أخلاقي وفكري يُعيد الاعتبار للعقل السوداني، ويؤكد أن الوعي هو آخر ما يُهزم. فالحروب يمكن أن تدمر المباني، لكنها لا تستطيع أن تقتل الأفكار حين تتجذر في العقول.
إن علمنة وديمقراطية وفدرالية التعليم ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية لبقاء السودان نفسه. فمن دون إصلاح التعليم لا يمكن بناء سلام مستدام، ولا نهضة اقتصادية، ولا مواطنة متساوية. التعليم الذي يُعيد الاعتبار للإنسان كذات حرة، هو وحده القادر على صنع سودانٍ علماني،ديمقراطي،فدرالي،حروكمان موحد لا يقوم على الولاء بل على الكفاءة، لا على الطائفة بل على المواطنة، لا على الحفظ بل على الإبداع.
لقد آن للسودان أن يتحرر من إرث الإسلاميين الذين جعلوا من المدرسة منبراً للطغيان، وأن يبني نظاماً تعليمياً علمانياً ديمقراطياً فدرالياً يضع الإنسان في مركز المعرفة لا الهامش منها. فالتعليم ليس لحشو العقول بل لإشعالها، وليس لإعادة إنتاج السلطة بل لإعادة اكتشاف الحرية. هذه هي الثورة الحقيقية التي تراها حركة/جيش تحرير السودان ثورة تبدأ من الحرف الأول في كلمة “حرية”، وتستمر حتى تتحول المدرسة إلى فضاء وطني جامع يُعيد تعريف معنى أن تكون سودانياً.
بتاريخ 24 إكتوبر 2025م



