مقالات الرأي

أزمة الحرب والتعليم في السودان: جيل يضيع في ظل الصراع


بقلم:أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد ( صمت القبور)


بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب في أبريل 2023م، يواجه النظام التعليمي في السودان أزمة وجودية غير مسبوقة. فما كان يُعتبر ركيزة أساسية لبناء المستقبل، تحول إلى ساحة خلفية للصراع، مما عرض مستقبل ملايين الأطفال والشباب لخطر الضياع. الأرقام التي تقدمها المنظمات الدولية ترسم صورة قاتمة: ما لا يقل عن 8 ملايين طفل خارج الفصول الدراسية، ونحو 19 مليون طالب حرموا من حقهم في التعليم خلال العام الدراسي 2024م-2025م. هذه ليست مجرد إحصائيات، بل هي جيل كامل يُسحب منه رصيده في المعرفة والأمل. لقد تحولت الحرب على البنى التحتية التعليمية إلى سياسة ممنهجة، حيث تشير التقارير إلى أن نصف المباني المدرسية في السودان لم تعد صالحة للاستخدام. فالمدارس إما دُمرت بشكل مباشر بالقصف، أو تم تحويلها إلى ثكنات عسكرية من قبل أطراف النزاع، أو أصبحت ملاجئ للنازحين الفارين من القتال. هذا الوضع يجعل عودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة مستحيلة، ليس فقط لغياب المكان الآمن، بل لتحول هذه المؤسسات إلى أهداف عسكرية محتملة، حيث أشارت يونيسف إلى أن نحو 80% من الإصابات بين الأطفال في بداية عام 2026م كانت مرتبطة بهجمات بطائرات بدون طيار. يتشابك الانهيار التعليمي مع أزمة اقتصادية خانقة، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. مع انهيار قيمة العملة المحلية إلى مستويات قياسية، أصبحت الأولوية لتأمين لقمة العيش وليس دفع الرسوم المدرسية أو شراء الكتب. تُتهم جهات حكومية بتحويل عائدات الثروات الوطنية، مثل الذهب، لتمويل الحرب بدلاً من دعم الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، مما يفاقم من معاناة المواطنين ويدفع بالبلاد نحو هاوية اقتصادية تجعل أي عملية تعافي تعليمي شبه مستحيلة. لا تقتصر الكارثة على حرمان الأطفال من التعليم فحسب، بل تمتد لتهدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني. هناك مخاوف من ظهور “أنظمة تعليمية متوازية” في مناطق سيطرة الميليشيات، وهو ما حذرت منه يونيسف بشدة، معتبرة أن تجزئة الشهادات يخلق حواجز قد تستمر لفترة أطول من الحرب نفسه ويحد من فرص الشباب في المستقبل. وتؤكد الحكومة السودانية تمسكها بنظام تعليمي وطني موحد للحفاظ على الاعتراف الدولي بالشهادات، لكن تنفيذ هذا التوجه على أرض الواقع يواجه تحديات جسيمة في ظل انقسام البلاد.
وسط هذه الكارثة، تبرز محاولات دولية ومحلية محدودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. أعلنت وزارة التربية والتعليم عن خطط لإعادة تأهيل المدارس وتوفير الكتب المدرسية في ولايات مثل الجزيرة وسنار والنيل الأبيض، مع التركيز على الطباعة المحلية للحد من النقص. كما أطلقت يونيسف، بتمويل من اليابان، مشروعاً لإعادة فتح 220 مدرسة يستفيد منه أكثر من 83 ألف طفل، وتدريب المعلمين وتوفير الدعم النفسي. لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تظل نقطة في بحر من الاحتياجات الهائلة، وتطالب يونيسف بوقف فوري لإطلاق الأسلحة الثقيلة وإعلان هدنة إنسانية لتتمكن من الوصول إلى المحتاجين. في الختام، أزمة التعليم في السودان ليست مجرد انعكاس للحرب، بل هي جبهة جديدة من جبهات الصراع. إن فقدان جيل كامل من الأطفال لتعليمهم يعني فقدان مستقبل البلاد. فالتعليم ليس ترفاً يمكن تأجيله، بل هو شريان حياة يحمي الأطفال من التجنيد والزواج المبكر والاستغلال، وهو الركيزة الأساسية لأي عملية سلام وإعمار مستقبلية. ما لم يتوقف القتال وتُتخذ خطوات جادة لحماية المؤسسات التعليمية، فإن السودان يخاطر بخلق “جيل ضائع” سيدفع ثمن هذه الحرب لعقود قادمة.
إن تجاوز هذه الأزمة المركبة يتطلب مقاربة شاملة تتعامل مع جذور الصراع وأبعاده التعليمية في آن واحد. ولعل الحلول العلمية والعملية لوقف الحرب وبناء نظام تعليمي متناسق مع التطور التقني والمهني تتطلب رؤية متكاملة تستند إلى الدروس المستفادة من تجارب الوساطة السابقة، والاستفادة من الشراكات الدولية في تطوير التعليم التقني والمهني، وبناء نظام تعليمي يركز على المهارة بدلاً من الشهادة. ففي مجال وقف الحرب، أظهرت الدراسات العلمية أن عنف الميليشيات ضد المدنيين، رغم بشاعته، قد يخلق ضغطاً دولياً يدفع الأطراف المتحاربة إلى طاولة المفاوضات، حيث أن استهداف المدنيين ينتهك الأعراف الدولية التي تحمي حياة الإنسان، مما يخلق حافزاً أخلاقياً وسياسياً للمجتمع الدولي للتدخل. وقد أظهرت الأبحاث أن الهجمات التي تشنها الميليشيات على المدنيين ترتبط بزيادة احتمالية بدء محادثات سلام بوساطة خارجية، وذلك لأن الأطراف الرئيسية في النزاع يمكنها التمسك بإنكار مسؤوليتها عن هذه الانتهاكات، مما يسهل عليها المشاركة في المفاوضات دون تحمل التكاليف السياسية الكاملة. ومع ذلك، فإن تجارب الوساطة السابقة في السودان، سواء كانت داخلية أو خارجية، كشفت عن تحديات كبيرة أعاقت نجاحها. فالمبادرات الداخلية فشلت غالباً بسبب غياب رؤية واضحة، والانقسامات المجتمعية العميقة، وضعف قدرات الوساطة، وتعقيد الأزمة، والمصالح قصيرة الأجل، وغياب الالتزام الحقيقي بسلام شامل. أما الوساطات الخارجية، فغالباً ما بسطت تعقيد الصراع دون الاعتراف الكامل بتنوع القوى السياسية الفاعلة، مما أدى إلى تجاهل الطبيعة المتعددة الأوجه للأزمة ووصولها إلى طريق مسدود. ولتجاوز هذه العقبات، يجب أن تركز جهود الوساطة المستقبلية على بناء إجماع وطني شامل يشمل جميع الأطراف السياسية والمجتمعية، مع ضمان وجود آليات واضحة لتنفيذ الاتفاقات ومحاسبة المعرقِلين. كما يجب تعزيز دور المؤسسات الوطنية والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) في قيادة عملية السلام، مع دعم دولي فعال ولكن غير مفروض، يحترم السيادة الوطنية ويمكّن السودانيين من امتلاك عملية السلام. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من التجارب الناجحة في الوساطة التي ركزت على معالجة الأسباب الجذرية للصراع، مثل التهميش الاقتصادي والسياسي، وتوزيع الثروة والسلطة بشكل عادل، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الأعراض السطحية.
أما في مجال بناء نظام تعليمي متناسق مع التطور التقني والمهني، فإن الحرب كشفت عن هشاشة النظام التعليمي التقليدي الذي يركز على الشهادة النظرية بدلاً من المهارات العملية. وقد أعلنت وزارة التعليم السودانية عام 2026م عاماً للتعليم والتدريب التقني والمهني، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا النوع من التعليم في إعادة الإعمار والتنمية المستدامة. وتؤكد الوزارة أن الحاجة للتعليم الفني لم تعد رفاهية، بل أصبحت أحد أهم الاحتياجات الضرورية، خاصة وأن البلاد مقبلة على مرحلة إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وأن واقع التعليم الحالي يشهد تدنياً في البيئة المدرسية وتحديات في البنية التحتية والأجور. وتعمل الوزارة بالتعاون مع منظمة اليونسكو والشركاء الدوليين على تنفيذ الخطة الانتقالية للتعليم (2025م-2027م)، والتي تركز على تعافي النظام التعليمي وبناء القدرات في مجال التعليم الإلكتروني والتعليم في حالات الطوارئ، وتوفير معدات تعليمية حديثة لتحسين البيئة التعليمية. وقد عقدت ورش عمل رفيعة المستوى جمعت قادة التعليم التقني والمهني من خمس ولايات، بالإضافة إلى ممثلين عن أصحاب العمل، لتقييم الوضع الحالي ووضع خطة لإطار عمل شامل لتطوير النظام، يضمن تلبية احتياجات سوق العمل والانتقال الفعال إلى مرحلة ما بعد الصراع. وقد خلصت هذه الورش إلى توصيات مهمة تشمل تطوير وتحديث المناهج، وتدريب وتطوير المعلمين والمدربين، ودعم البنية التحتية للنظام، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات التعليمية والصناعية. كما تسعى الوزارة إلى إقامة ورش عمل لتهيئة الأسر والطلاب وجذبهم نحو التعليم الفني، وإعادة تأهيل المدارس الفنية في كل ولاية لتلبية احتياجات سوق العمل المحلية. وتعكس الشراكة الاستراتيجية مع منظمة اليونسكو، والتي تشمل دعم نظام معلومات إدارة التعليم والرصد والتقييم، التزاماً بتحديث النظام التعليمي وضمان جودته وملاءمته للواقع المتغير. كذلك، فإن التعاون مع تركيا في مجال التعليم، والذي يشمل تبادل الخبرات في تقنيات التعليم الجديدة، ودعم التعليم الإلكتروني، وتدريب المعلمين السودانيين في تركيا على مستوى الدبلوم والبكالوريوس في التعليم الفني، يوفر فرصة ثمينة للاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير المناهج والتحول الرقمي. ويهدف هذا التعاون إلى تطوير المركز الوطني للمناهج والبحوث التربوية بما يتوافق مع التقنيات التعليمية المتقدمة، وإدخال مشاريع مبتكرة في استخدام التكنولوجيا التعليمية في الأنشطة التعليمية.
إن بناء نظام تعليمي قادر على مواكبة التطور التقني والمهني يتطلب تحولاً جذرياً في الفلسفة التعليمية من التركيز على الشهادة إلى التركيز على المهارة، والتدريب من أجل المهارة وليس من أجل الشهادة، كما يؤكد وزير التعليم. وهذا يتطلب إعادة هيكلة المناهج لتشمل المهارات العملية والتقنية والرقمية، وتدريب المعلمين على استخدام أساليب التدريس الحديثة والتكنولوجيا التعليمية، وبناء شراكات قوية مع القطاع الخاص لتوفير فرص التدريب العملي والتوظيف للخريجين. ومع أن الحرب دمرت جزءاً كبيراً من البنية التحتية التعليمية، إلا أنها أتاحت فرصة لإعادة بناء نظام تعليمي أكثر مرونة وابتكاراً، يستفيد من التقنيات الرقمية والتعليم عن بعد للوصول إلى الطلاب في المناطق المتضررة، ويركز على المهارات التي يحتاجها سوق العمل في مرحلة إعادة الإعمار. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو وقف الحرب وتوفير البيئة الآمنة التي تسمح لهذه الإصلاحات الطموحة بالنمو والازدهار. فالتعليم والسلام وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن بناء نظام تعليمي متقدم في ظل استمرار الصراع، ولا يمكن تحقيق سلام دائم دون تعليم يزرع قيم التسامح والمواطنة ويوفر فرصاً للشباب لبناء مستقبلهم. إن مستقبل السودان يتوقف على قدرته على إنهاء هذه الحرب المدمرة وبناء نظام تعليمي يليق بطموحات أبنائه ويؤهلهم لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
بتاريخ29يونيو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x