أزمة الضمير الإنساني وأخلاق السلطة لدى القوى السياسية التقليدية في السودان وطرح حركة/ جيش تحرير السودان

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
السودانٍ يئن تحت وطأة تاريخٍ طويل من الصراعات والخيبات، تتشابك فيه السياسة بالجهل والفساد، ويظل المواطن السوداني دائمًا في مواجهة واقعٍ قاسٍ يُظهر حجم الأزمة الأخلاقية في قلب السلطة. لقد تحولت بعض القوى السياسية التقليدية إلى رموز للانحراف الأخلاقي والسياسي، بحيث أصبحت السلطة بالنسبة لها غايةً بذاتها، وليس وسيلة لخدمة الوطن أو حماية الإنسان. هذا الانهيار في الضمير الإنساني لدى من يُفترض أنهم حماة الوطن ينعكس على كل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية، ويجعل من كل اتفاقية أو مشروع وطني مجرد شعارات فارغة، لا تترجم إلى واقع ملموس يُشبع تطلعات الشعب.
إن تتبع مسار الأحزاب التقليدية، سواء الطائفية أو الإيديولوجية، عبر العقود الماضية، يكشف حجم الفجوة بين شعاراتها وبين ممارساتها. عشرات الاتفاقيات التي وُقعت وانهارت قبل أن ترى النور، وكم من وعود بالسلام التي ذهبت مع الرياح، وكم من وجوه جديدة ظهرت لتعيد تدوير الأخطاء القديمة باسم التجديد السياسي، كل هذا يؤكد أن الأزمة الأخلاقية ليست حادثة عرضية، بل هي سمة متأصلة في بنية هذه السلطة. وما يزيد الأمر سوءًا هو تكرار نفس النماذج عبر الأجيال، لتبقى مصالح النخبة الحاكمة فوق أي اعتبار للعدالة أو للضمير الإنساني، في حين يدفع الشعب الثمن الأكبر من حياةٍ مليئة بالخوف والفقر والانكسار.
في هذا السياق، يبرز طرح حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ:عبد الواحد محمد أحمد النور كمنارة أخلاقية وسط هذا البحر المتلاطم من الانتهازية والمصالح الضيقة. لقد جاء هذا الطرح ليؤكد أن هناك بدائل ممكنة؛ بدائل ترتكز على العدالة قبل السلام، على المشاركة الحقيقية للشعب، ورفض المشاركة مع من لوثوا أيديهم بدماء المواطنين الأبرياء. إن مشروع تكوين الجبهة المدنية العريضة لا يقتصر على كونه فكرة سياسية، بل يمثل محاولة عملية لتصحيح المسار الوطني، ولتوحيد القوى الحية التي ما زالت تؤمن بأن الدولة لا تقوم إلا على أساس من النزاهة والضمير الإنساني.
كما قال الأستاذ:عبد الواحد محمد أحمد النور:
«لا شراكة مع من لوثوا أيديهم بدماء الشعب، ولا سلام يُبنى على إفلات المجرمين من العدالة»
هذه الكلمات تجسد جوهر فلسفة الحركة: رفض المساومة على المبادئ، والتمسك بأن السلام العادل لا يتحقق إلا عندما تسترجع العدالة حقوق الضحايا، وعندما يشارك كل من يهمه أمر الوطن في مشروع يضمن المستقبل. وما يميز هذا الطرح أيضًا هو شمولية الفكرة؛ فهو يسعى لبناء جبهة مدنية عريضة تشمل كل القوى السياسية والمدنية الصادقة، ما عدا أولئك الذين ثبتت انحيازاتهم السابقة أو رفضوا الحوار السوداني-السوداني الجاد. بهذا المعنى، يصبح الطرح مشروعًا عمليًا يرتكز على الضمير الأخلاقي الوطني قبل أي حسابات سياسية ضيقة.
إن أزمة الضمير الإنساني لدى القوى التقليدية ليست فقط أخلاقية، بل لها انعكاسات اجتماعية وسياسية عميقة. فهي تضعف المؤسسات، وتشرعن الفساد، وتغلق الباب أمام أي مشروع وطني حقيقي. وفي مقابل ذلك، يأتي طرح الجبهة المدنية العريضة ليعيد الثقة في إمكانية العمل الجماعي النزيه، ويعيد الاعتبار للقيم التي يجب أن تشكل صلب أي سياسة، سواء أكانت محلية أو وطنية. هذه الجبهة لا تسعى للهيمنة على السلطة، بل للهيمنة على الضمير الجمعي للشعب السوداني، صوته وحاميه، لتعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة الحقيقية، وتضع الشعب في موقع القرار والاختيار، بدل أن يكون مجرد أداة تُستغل من قبل المتسلطين.
إذا نظرنا إلى التاريخ الحديث للسودان، نجد أن الحروب الطويلة بين النخب(الصفوة) وعامة الشعب في مختلف الأقاليم، والاتفاقيات التي لم تُطبّق، مثل اتفاقية نيفاشا، وغيرها من الاتفاقيات الفاشلة، لم تكن إلا تجسيدًا للأزمة الأخلاقية التي نعانيها. كل تجربة من هذه التجارب أظهرت أن القيم الإنسانية والأخلاقية في قيادة الدولة كانت ضعيفة أو غائبة، وأن القرارات اتخذت بناءً على المصالح الخاصة والنفع الفردي، لا بناءً على مصلحة الوطن والمواطن. وهذا ما جعل من كل عملية سلام أو مصالحة فرصة ضائعة، وزاد من شعور المواطنين بالخذلان والتهميش.
وليس السودان وحيدًا في هذا المسار؛ فالتجارب العالمية تقدم أمثلة عن كيف يمكن للأخلاق والضمير أن يغير مسار الأمم. تجربة نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا مثال حي على ذلك، فقد استطاع، بعد سنوات طويلة من السجن والانقسام، أن يبني دولة تعتمد على الوحدة والمصالحة الوطنية، وأن يعلي قيم العدالة قبل أي اعتبار للسلطة السياسية أو الانتقام الشخصي. تجربة مانديلا تؤكد أن القيادة الأخلاقية ليست خيارًا ثانويًا، بل شرط أساسي لأي مشروع وطني حقيقي، وهو ما تؤكده أيضًا حركة/جيش تحرير السودان في طرحها للجبهة المدنية العريضة.
إن مسار السودان يحتاج اليوم إلى انتفاضة أخلاقية سياسية، لا أقل ولا أكثر. يحتاج إلى أن يعي المواطنون أن كل انتخاب أو تفاوض أو اتفاقية أو مشروع سياسي، يجب أن يُقاس بمعيار العدالة والضمير قبل أي معيار آخر. وفي هذا الإطار، يأتي دورحركة/ جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ:عبد الواحد محمد أحمد النور، كدعامة لاستعادة الأخلاق في السياسة، ومثالا عمليًا على أن المشروع الوطني لا يُبنى إلا على أساس من النزاهة والشرف، لا على أساس السلطة المطلقة أو المنافع الشخصية الضيقة.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى الجبهة المدنية العريضة هي أكثر من مجرد إعلان سياسي؛ إنها دعوة للضمير، للوعي، وللتحرك. إنها تذكير بأن الشعب السوداني لا يمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام انهيار القيم الأخلاقية في السياسة، وأن الوقت قد حان لإعادة ترتيب الأولويات، ومحاسبة المتسببين في الفشل المستمر، وإشراك القوى الوطنية الحقيقية في صناعة القرار. إنها دعوة للسلام، ولكن سلام قائم على العدالة، وحرية دون فساد، وكرامة دون مساومة.
إن الطريق نحو وطن عادل ومسالم لا يمر عبر التواطؤ أو التنازلات على حساب القيم، بل عبر المواجهة الأخلاقية للواقع، وبناء تحالفات صادقة ومستعدة للتضحية من أجل المبادئ. لذلك، على الشعب السوداني أن يعي أن دوره ليس سلبيًا؛ عليه أن يختار، أن يضغط، وأن ينخرط في مشروع الجبهة المدنية العريضة، ليصنع الفرق الحقيقي، ويثبت أن الضمير الإنساني والأخلاق السياسية ليستا كلمتين فارغتين، بل حجر الزاوية لأي وطن يحلم أفراده بالحرية،العدل،السلام،الديمقراطية.
وفي الختام، نقف عند هذه الحقيقة المؤلمة والملهمة في آن واحد: السودان لم يُبنى عبر القوة وحدها، ولا عبر التواطؤ والمصالح الضيقة، بل عبر الضمير الإنساني والأخلاق السياسية والشجاعة في مواجهة الظلم. ومن هنا تأتي مسؤوليتنا جميعًا — شعبًا ونخبًا — في دعم مشروع الجبهة المدنية العريضة، لتكون الصوت النقي والضمير الحي الذي يعيد الوطن إلى أهله، ويؤكد أن المستقبل لا يُصنع إلا بالعدالة، وبالمبادئ، وبالالتزام الحقيقي بالأخلاق التي تستحق أن تسمّى وطنًا.
بتاريخ:20أكتوبر2025م


