مقالات الرأي

أزمة الفساد الأكاديمي في السودان: استقالة في جامعة الخرطوم تكشف جبل الجليد


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


في السابع من يناير 2026، تحولت استقالة البروفيسور علي عبدالرحمن رباح، أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، من حدث إداري عادي إلى صفعة مدوية كشفت النقاب عن تفشي ظاهرة الفساد الأكاديمي المنظم في السودان. لم تكن الأسباب التي ساقها رباح في رسالته المفتوحة – والتي شملت التعرض لضغوط خارجية صريحة ومباشرة للسكوت عن وصول طرف ثالث غير مشروع إلى السجلات الأكاديمية، والتراجع عن مشروع الشهادات الإلكترونية، والتغاضي عن محاولات تزوير الشهادات – مجرد اتهامات فردية، بل كانت مؤشراً على انفجار أزمة تراكمت لعقود في مؤسسات التعليم العالي السوداني. هذه الاستقالة لم تكن سوى القطرة التي أفاضت الكأس في نظام يعاني من تصدعات بنيوية عميقة، حيث تُظهر المعلومات والوقائع أن الفساد الأكاديمي تحول من حالات فردية متفرقة إلى شبكات منظمة تعمل في ظل بيئة سياسية وإدارية متدهورة، وبلغ ذروته مع الانهيار الكبير الذي أعقب حرب 15 أبريل 2023. لقد تحولت الجامعات السودانية، وعلى رأسها جامعة الخرطوم العريقة، من منارات للمعرفة إلى ساحات للفساد والتزوير، فيما تظهر ردود الفعل الحكومية ومحاولات التعتيم أن الدولة فشلت في حماية هذا القطاع الحيوي، بل ربما كانت شريكة في تدهوره عبر سياسات الفوضى المنظمة والتستر على الفاسدين.
● صدام بين روايتين وتعرية لآلية التستر
تمثل استقالة البروفيسور علي رباح لحظة فارقة في تاريخ الجامعة، حيث نقل الصراع الخفي إلى العلن. في روايته المفصلة، كشف رباح عن تعرضه لـ “ضغوط خارجية صريحة ومباشرة” بهدف إجباره على السكوت عن ثلاث قضايا جوهرية: أولها، وصول “طرف ثالث غير مشروع” إلى سجل الجامعة بالتعليم العالي، وهي قضية وصفها بالأمن القومي. ثانيها، التراجع عن مسار التحول الرقمي وإيقاف مشروع الشهادات الإلكترونية الذي كان من شأنه تحصين النظام ضد التزوير. ثالثها، السكوت عن محاولات تزوير الشهادات الأكاديمية. هذه الاتهامات المباشرة لم تستهدف أفراداً بعينهم فحسب، بل وجهت إصبع الاتهام إلى منظومة فاسدة تسمح باختراق السجلات وتعطيل الحلول التقنية وتستر على التزوير.
في المقابل، جاء رد جامعة الخرطوم عبر بيان رسمي حاول تفنيد هذه الادعاءات، لكنه في الواقع كشف عن تناقضات وعقلية إنكار عميقة. نفت الجامعة أي تزوير في الشهادات التي صدرت خلال فترة رباح، مؤكدة على “صرامة الإجراءات” و”الخصوصية والتأمين” العاليين للسجلات التي تفوق عمرها 120 عاماً. كما حاولت الجامعة تحويل الانتباه عن الجوهر باتهام رباح بـ”إلقاء ظلال سالبة” وإلحاق الضرر بسمعة الجامعة وخريجيها. الأكثر إثارة للريبة في بيان الجامعة هو الإفصاح عن تشكيل لجنتين للتحقق من الشهادات – إحداهما من قبل مدير الجامعة في سبتمبر 2025، والأخرى من قبل رباح نفسه في ديسمبر 2025 – وما زالتا “تعمل لاستكمال مهامها” للتحقق من شهادات صدرت قبل اندلاع الحرب. هذا الإفصاح، الذي قصد به تبرئة موقف الجامعة، يؤكد في الواقع جوهر اتهامات رباح بالمماطلة والتسويف في معالجة ملف التزوير. لقد كشف هذا الصدام بين رواية المسؤول المستقيل ورواية المؤسسة عن هوة من عدم الثقة، وعن آلية كلاسيكية للتستر تتمثل في إنكار المشكلة، ثم تشكيل لجان للتحقيق تستمر في العمل لفترات غير محدودة دون إعلان نتائج، وهي آلية أتقنتها الأنظمة السودانية المتعاقبة في التعامل مع فضائح الفساد.
● الفساد بنيةً منتظمةً وليس شذوذاً عابراً
ما حدث في جامعة الخرطوم ليس حالة شاذة أو منعزلة، بل هو تعبير عن فساد بنيوي منتظم في التعليم العالي السوداني، له جذور تاريخية وامتدادات إقليمية. لقد تحول تزوير الشهادات الجامعية السودانية إلى صناعة قائمة بذاتها، كما تكشف فضيحة عام 2025 التي كشف عنها وزير التعليم العالي الأردني الأسبق، والتي ضبطت خلالها شهادات مزورة لما يقارب 15 ألف طالب أردني كانوا مسجلين رسمياً في جامعات سودانية، لكنهم في الواقع لم يطأوا أرض السودان، وتلقوا “تعليمهم” في شقق سكنية في عمّان. هذه الحادثة ليست الوحيدة، فثمة تقارير عن كشف شبكات تزوير أخرى وإحالتها للقضاء. هذا الانتشار الواسع للتزوير خارج الحدود يؤكد أنه عملية منظمة وليست أعمالاً فردية، وأن “العلامة التجارية” للشهادة السودانية قد تعرضت للاستنزاف والاختراق بشكل منهجي.
ويعود هذا الفساد إلى سياسات ممنهجة اتبعتها الحكومات السودانية المتعاقبة، وأبرزها ما يُعرف بــ “ثورة التعليم العالي” في تسعينيات القرن الماضي، والتي ركزت على التوسع الأفقي الكمي في عدد الجامعات والكليات دون مراعاة الحد الأدنى من معايير الجودة، أو التوازن الجغرافي، أو توفر البنية التحتية والكوادر المؤهلة. هذا التوسع العشوائي، والذي تمت الموافقة خلاله على جامعات وكليات لا تتوفر فيها الشروط الأكاديمية الدنيا، خلق بيئة خصبة للفساد والإدارة الضعيفة وانهيار القيمة العلمية للشهادة. لقد تحولت الجامعات إلى مؤسسات تجارية في كثير من الأحيان، تهدف لتحقيق الربح السريع على حساب المصداقية العلمية، في ظل غياب رقابة حقيقية وفعالة من وزارة التعليم العالي التي كانت إما عاجزة أو متواطئة.
● حرب 15 أبريل 2023 وتفجير الأزمة المتراكمة
إذا كان الفساد قد ترسخ كبنية تحتية في النظام التعليمي، فإن حرب 15 أبريل 2023 كانت الشرارة التي فجرت هذا الجبل من الترسبات الفاسدة وأظهرت الانهيار الكامل لمنظومة التعليم العالي. لم تكن الحرب مجرد حدث عسكري، بل كانت كارثة إنسانية ومعرفية شاملة، حيث دمرت البنية التحتية لمعظم مؤسسات التعليم العالي في العاصمة الخرطوم، التي كانت تحتضن النسبة الأكبر من الجامعات، وتحولت مبانيها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء للنازحين. أدى هذا الدمار إلى نزوح آلاف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وتوقف شبه كامل للعملية التعليمية، وتعطل الامتحانات، وفقدان أو تشتت السجلات الأكاديمية، مما خلق فوضى غير مسبوقة سهّلت عمليات التلاعب والتزوير التي تحدث عنها البروفيسور رباح.
وقد وصل التدهور إلى ذروته عندما استبعد السودان كلياً من مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن منتدى دافوس، في خطوة تعكس انهياراً واسعاً في المؤسسات التعليمية. هذا الإقصاء ليس مجرد ترتيب متأخر، بل هو إعلان عملي بأن الدولة فقدت القدرة على إنتاج المعرفة والتنافس عالمياً. لقد خرجت الجامعات السودانية من جميع التصنيفات العالمية، مما يهدد الاعتراف الدولي بشهاداتها، ويقلل فرص طلابها في المنح والدراسات العليا الخارجية، ويعزل البلاد عن شبكات البحث العلمي العالمية. هذا الانهيار لم يعد أكاديمياً فقط، بل تحول إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تهدد النسيج الوطني، حيث يؤدي تآكل التعليم إلى تآكل الطبقة الوسطى، وانهيار رأس المال البشري، وتحويل الاقتصاد من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد حرب وتهريب.
● بين سياسة الفوضى المنظمة والتستر الفاضح
في خضم هذه الكارثة، يبرز سؤال محوري عن دور الحكومة ووزارة التعليم العالي: هل كانت ضحية للظروف، أم فاعلاً رئيسياً في تفاقم الأزمة عبر سياسات فاشلة ومتعمدة؟ تشير الأدلة إلى أن الحكومة لم تكن محايدة، بل ساهمت عبر سياساتها في خلق بيئة من “الفوضى المنظمة” التي تغذي الفساد. فبدلاً من العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتأمين مسارات بديلة للتعليم، أصدرت الوزارة قرارات اعتباطية زادت الطين بلة، مثل قرارها بعدم الاعتراف بالشهادات الصادرة من المراكز الخارجية للجامعات السودانية التي انتقلت للعمل خارج البلاد هرباً من ويلات الحرب. هذا القرار، الذي وصف بـ”الكارثي”، تجاهل معاناة آلاف الطلاب وأسرهم الذين أنفقوا مدخراتهم لمواصلة التعليم في تلك المراكز، وعرض مستقبلهم للضياع. يرى مراقبون أن هذا القرار كان “سياسياً” يهدف للضغط على الجامعات للعودة، دون مراعاة لاستحالة ذلك أمنياً ولوجستياً في ظل الدمار الشامل.
الأخطر من ذلك، هو الموقف الرسمي من فضيحة جامعة الخرطوم. لم نسمع أي تحرك جاد أو تحقيق شفاف من وزارة التعليم العالي في أعقاب استقالة رباح واتهاماته الخطيرة التي تمس “الأمن القومي”. بدلاً من ذلك، اكتفت الوزارة، حسب بعض التقارير، بـ “انتقاد” ما ورد في بيان الاستقالة، في تكرار لخطاب الإنكار الذي تبنته إدارة الجامعة. هذا الصمت والتستر الرسمي ليس غريباً على نظام اعتاد على تغطية فضائح الفساد الكبرى، وهو يؤكد أن الفساد الأكاديمي ليس بعيداً عن دوائر السلطة، بل قد يكون أحد أدواتها لتوزيع المنافع وشراء الولاءات عبر منح شهادات مزورة. لقد فشلت الحكومة في تقديم رؤية للإصلاح أو خطة وطنية لإنقاذ التعليم العالي، تاركة المجال لاستمرار نزيف الكفاءات وهجرة العقول، مما يكرس أزمة فقدان الثقة في المؤسسة التعليمية برمتها.
● استقالة رباح صرخة في وادٍ من الانهيار
تشكل استقالة البروفيسور علي رباح في جامعة الخرطوم أكثر من مجرد حادثة إدارية؛ إنها علامة بارزة على الانهيار الشامل لمنظومة التعليم العالي في السودان. لقد كشفت هذه الاستقالة النقاب عن واقع مرير، حيث تحول الفساد الأكاديمي من ممارسات فردية إلى بنية تحتية قائمة على شبكات منظمة تعمل في الداخل والخارج، وتستفيد من بيئة سياسية وإدارية فاسدة ومتدهورة. لقد تفجرت هذه الأزمة المتراكمة مع حرب 15 أبريل 2023، التي شكلت الضربة القاضية لمنظومة كانت تعاني أصلاً من أمراض مزمنة نتيجة سياسات التوسع العشوائي وضعف الرقابة والتسييس. وفي قلب هذه العاصفة، يبدو دور الحكومة مشبوهاً، إذ يتراوح بين القرارات الاعتباطية التي تعمق الفوضى، والصمت المطبق والتستر الفاضح على فضائح الفساد، مما يوحي بأن الفساد الأكاديمي قد يكون جزءاً من لعبة سياسية أوسع.
إن إنقاذ ما تبقى من هيبة ومصداقية للتعليم العالي في السودان لم يعد يحتاج إلى إصلاحات تقنية فحسب، بل إلى إرادة سياسية حقيقية وجرأة في مواجهة شبكات الفساد المترسخة، واستعادة الدور الوطني للجامعة كمنارة للمعرفة وليس سوقاً للمتاجرة بالشهادات. بدون ذلك، ستستمر صرخات الاستقالة مثل صرخة البروفيسور رباح، ضائعة في وادٍ من الانهيار واللامبالاة.


بتاريخ 8 يناير2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x