مقالات الرأي

أزمة تجربة الإسلاميين في السودان وهيمنة الإقتصاد السياسي: قراءة في رؤية حركة/جيش تحرير السودان نحو إقتصاد السوق الحر والعدالة الإجتماعية


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


منذ مجيء الإسلاميين إلى الحكم بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989، دخل السودان نفقًا طويلًا من التزييف السياسي والاقتصادي. فقد رفع قادة المشروع الإسلامي شعارات براقة عن الطهر والعدالة والشورى، غير أنهم سرعان ما كشفوا عن وجه آخر؛ وجهٍ يقدّس السلطة ويحتكر الثروة باسم الله، في ما يمكن تسميته بأكبر عملية “تديين للفساد” في تاريخ السودان الحديث. تحوّلت الدولة إلى جهاز حزبي مغلق، وتحوّل الاقتصاد إلى شبكة مصالح معقّدة تسيطر عليها فئة قليلة تتحدث باسم الدين وتعيش في بحبوحة من الامتيازات، فيما يُترك الشعب غارقًا في الفقر والعوز.
لقد استخدم الإسلاميين الاقتصاد كأداة للتمكين السياسي، لا كوسيلة للنهضة الوطنية. فبدأوا بسياسة الخصخصة العشوائية التي أفرغت مؤسسات الدولة المنتجة من مضمونها، وبيعت مصانع السكر والقطن والمشاريع الزراعية الكبرى بأثمان بخسة لأتباع النظام وواجهاته. نشأت طبقة طفيلية مترفة تمتص عرق الفقراء والمزارعين، وتتحكم في مفاصل السوق والتجارة، فيما أُفقرت الطبقة الوسطى وأُقصيت القوى المنتجة. وكما قال أحد الاقتصاديين السودانيين: “في عهد الإسلاميين، لم يكن الاقتصاد يخدم الدولة، بل كانت الدولة تخدم الاقتصاد الخاص للنظام.”
أسّس الإسلاميين نظامًا موازٍ للدولة عبر شركات أمنية وعسكرية تمتلك البنوك والمطاحن والمشروعات الزراعية والذهب، فصار جهاز الدولة واجهة لسلطة المال السياسي، وتحوّلت مؤسسات الجيش والأمن إلى مراكز رأسمالية تحتكر الاستيراد والتصدير وتتحكم في العملة والأسواق. أما المواطن، فقد أُقصي تمامًا من حقه الطبيعي في الثروة، وحُرم من الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والماء والكهرباء، حتى أصبح يعيش في وطنٍ يفيض بالموارد لكنه لا يفيض بالعدالة.
غير أن جوهر الأزمة لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل أخلاقيًا وفكريًا أيضًا. لقد شوّه الإسلاميين مفهوم العمل والإنتاج، حين جعلوا الولاء معيارًا للكفاءة، والتقوى الظاهرية غطاءً للفساد. فانهارت القيم التي يقوم عليها الاقتصاد السليم: الشفافية، التنافس العادل، والمسؤولية الاجتماعية. ومن هنا فقد السودان روحه المنتجة وتحولت مجتمعاته إلى ضحايا للتبعية والعطالة، فيما صار خطاب السلطة الديني أداة لتخدير الناس لا لتحريرهم.
في مواجهة هذا الخراب المنظم، تبرز رؤية حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور كأفق فكري وإنساني يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والإنسان. فالحركة، منذ تأسيسها، اعتبرت أن الصراع في السودان ليس صراعًا حول السلطة وحدها، بل صراع حول من يملك موارد البلاد وكيف تُداربالاحري(الصفوة). ولذلك جاء طرحها واضحًا في تبني اقتصاد السوق الحر، لا كامتداد للنظام الرأسمالي الطفيلي، بل كآلية لتحرير الإنسان من احتكار الدولة والطبقات المتنفذة.
إن اقتصاد السوق الحر في رؤية الحركة ليس فوضى ولا استغلالًا، بل هو نظام يقوم على الحرية الاقتصادية المقيدة بالعدالة الاجتماعية، بحيث تكون الفرص متكافئة بين أبناء الوطن، ويكون معيار النجاح هو الجهد والإبداع لا الانتماء والولاء. وكما قال الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور: “لسنا ضد من يملك، لكننا ضد أن يُمنع الآخر من أن يملك.”
تسعى الحركة إلى بناء اقتصادٍ وطنيٍ ديمقراطي، تُوزع فيه الثروة بعدالة بين الأقاليم وفق نظام فدرالي يمنح كل ولاية حق إدارة مواردها المحلية، ويعيد توزيعها على المستوى القومي بما يحقق الإنصاف والمساواة. وترى أن التنمية ليست أرقامًا في ميزانية، بل هي عدالة في توزيع الفرص، وأن بناء المصانع والطرقات لا قيمة له ما لم يقم على قاعدة من الكرامة الإنسانية وحق الجميع في العمل والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
كما تدعو الحركة إلى تحرير الاقتصاد من قبضة العسكر والبيروقراطية، وفصل جهاز الدولة عن السوق، بحيث تكون الدولة راعية للتنمية لا تاجرًا في مواردها. وتؤمن بضرورة جذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية وفق ضوابط شفافة تحمي البيئة والإنسان، وتمنع النهب الممنهج الذي مارسته الأنظمة السابقة باسم “التنمية”.
ويقوم جوهر رؤية الحركة على مفهوم المواطنة الاقتصادية المتساوية، أي أن الثروة حق جماعي للمجتمعات، لا امتياز يُمنح لمن يقترب من السلطة. فالمواطن في دارفور أو الشرق أو الشمال يجب أن يتمتع بالحقوق الاقتصادية نفسها التي يتمتع بها المواطن في الخرطوم. وهذه المساواة لا تتحقق إلا بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، يكون فيها الاقتصاد خادمًا للإنسان لا سيدًا عليه.
لقد أثبتت التجربة الإسلامية أن الخطر الأكبر ليس في فشلها التنموي فقط، بل في ما أورثته من تشوه أخلاقي في بنية المجتمع، حين ربطت الدين بالمصلحة، والثراء بالاصطفاء الإلهي. بينما تسعى حركة/جيش تحرير السودان إلى إعادة الأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر قيم العمل الجماعي، والمساءلة، والمشاركة المجتمعية. إنها رؤية تسعى إلى ما يمكن تسميته بـ”التحرير الاقتصادي الإنساني”، الذي يُخرج الإنسان من دائرة الفقر والتبعية، ويمنحه حرية الإنتاج والاختيار.
كما قال أحد شباب الحركة في إحدى المناسبات الثورية: “نحن لا نريد اقتصادًا يطعمنا فقط، بل اقتصادًا يحررنا.” وهذه العبارة تختصر جوهر ما تسعى إليه الحركة أن يكون الاقتصاد وسيلة للحرية لا وسيلة للقهر، وأن يتحول السوق إلى ساحة للتكافؤ لا ساحة للنهب والاحتكار.
إنّ الأزمة الاقتصادية التي خلفها الإسلاميين لا يمكن معالجتها بسياسات مالية فقط، بل تتطلب ثورة في الوعي تعيد تعريف معنى الثروة والعدالة. والثورة التي تتحدث عنها الحركة ليست ثورة البنادق فحسب، بل ثورة الضمير والعقل والسلوك. فهي تدعو إلى أنسنة الاقتصاد، وإلى ربط التنمية بالمواطنة، وإلى تحويل الموارد الوطنية من مصدر للهيمنة إلى مصدر للتنمية المستدامة.
وهكذا، تتضح الفوارق الجوهرية بين مشروعين: مشروعٍ ديني زائف احتكر باسم السماء مقدرات الأرض، ومشروعٍ إنساني يحرر الإنسان من عبودية السوق والسلطة معًا. فالأول سعى إلى توحيد الناس تحت راية الطاعة، والثاني يسعى إلى توحيدهم تحت راية العدالة.
إن مستقبل السودان لن يُبنى على خطابات الشريعة ولا على شعارات السوق وحدها، بل على مصالحة بين الحرية والعدالة، بين الاقتصاد والضمير. وهذا ما تدعو إليه حركة/جيش تحرير السودان حين تطرح اقتصاد السوق الحر كجزء من مشروعها لبناء دولة المواطنة المتساوية، دولة يتساوى فيها الجميع في الحقوق والفرص، وتُقاس فيها قيمة الإنسان بما يقدمه لا بما يرثه أو ينتسب إليه.
وفي الختام، يمكن القول إنّ فشل التجربة الإسلامية كان درسًا قاسيًا، لكنه ضروري كي يدرك السودانيين أن العدالة لا تتحقق بالشعارات بل بالمؤسسات، وأن التحرر لا يُقاس بإسقاط الحكومات فقط بل بإقامة اقتصاد يُحرر الإنسان من الخوف والجوع.
إنّ رؤية حركة/جيش تحرير السودان لا تسعى إلى خلق اقتصاد رأسمالي بوجه جديد، بل إلى اقتصاد أخلاقي يستند إلى الحرية،العدل، السلام، الديمقراطية والمواطنة المتساوية.
وكما اشار الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور في إحدى مناسبات ثورية: “إننا لا نحارب من أجل ثروة نملكها، بل من أجل إنسان يستحق أن يملك مصيره.”
ومن هنا تبدأ الثورة الحقيقية — ثورة الوعي والضمير، الثورة التي تجعل من الاقتصاد رسالة تحرر لا أداة استعباد، ومن الإنسان مركزًا لكل مشروع وغاية لكل سياسة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x