مقالات الرأي

أزمة وطنية تتكشف بلا أقنعة


بقلم: السمؤال جمال

كل الحروب تبدأ بأكاذيب لكن القليل منها يكشف زيفه بهذه السرعة والفداحة مثلما يحدث اليوم في السودان لم يعد أحد بحاجة إلى براهين إضافية ليدرك أن هذه الحرب ليست دفاعاً عن سيادة ولا حماية لوطن ولا نصرة لعدالة إنها ببساطة حرب سلطة ونفوذ حرب على الدولة والشعب معاً تُدار بدماء الأبرياء وتُغذى على خراب المدن وتشريد الملايين.

منذ اندلاعها وعود وادعاءات كثيرة جرى تسويقها استعادة هيبة الدولة إنقاذ البلاد من الانهيار فرض الاستقرار كلها سقطت واحداً تلو الآخر وما بقي في الحقيقة سوى مشهد مأساوي اقتصاد منهار مؤسسات معطلة نسيج اجتماعي يتمزق وملايين من السودانيين محشورين في معسكرات النزوح أو مشتتين على حدود دول الجوار

حرب بلا مشروع ولا أفق

المؤلم أن هذه الحرب لا تحمل في جوفها أي مشروع سياسي أو وطني. إنها ليست صراع برامج ولا تنافس رؤى بل معركة عارية من المعنى لا تنتج سوى القتل والدمار كل ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة تدوير منظومة الاستبداد القديمة بوجوه جديدة وأدوات أكثر بشاعة والنتيجة أن البلاد تُقاد عمداً إلى الهاوية بينما تُباع أوهام الوطنية و الكرامة في أسواق الدم كسلعة رخيصة

كلفة إنسانية لا تُحصى

ما من لغة تكفي لوصف الفداحة

ملايين أُجبروا على ترك بيوتهم ومدنهم

أجيال كاملة فقدت حقها في التعليم والأمان

اقتصاد انكمش حتى صار عاجزاً عن توفير أبسط مقومات الحياة

مجتمع يتفتت كل يوم تحت ضغط الكراهية والنزوح والفقر

هذه ليست تضحيات من أجل المستقبل بل إبادة بطيئة للحاضر والمستقبل معاً
التاريخ لا يسامح والخراب لا يقبل أنصاف المواقف من يتحدث اليوم عن إدارة الحرب أو الاصطفاف خلف أحد أطرافها إنما يساهم في إطالة أمد المأساة فالحرب في السودان ليست نزاعاً يمكن أن يخرج منه منتصر ومهزوم الحقيقة الوحيدة أن الجميع خاسر بينما المنتصر الوحيد هو الفوضى.

المطلوب اليوم ليس وساطات شكلية ولا تسويات ترقيعية بل إرادة صلبة لإنهاء الحرب فوراً ليس لأنه خيار أخلاقي فحسب بل لأنه السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من السودان فكل يوم إضافي من القتال يعني سنوات إضافية من إعادة البناء وكل رصاصة إضافية تعني جرحاً جديداً في جسد الوطن يصعب اندماله

هذه حرب بلا قضية بلا عدالة بلا أفق حرب تصنع أمراء دم وتحوّل الوطن إلى غنيمة إن رفضها ليس ترفاً فكرياً ولا موقفاً مثالياً بل هو الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية والإنسانية

السودان يستحق سلاماً حقيقياً لا هدنات مؤقتة يستحق دولة تُبنى على التوافق والعدالة لا على فوهات البنادق ويستحق شعبه حياة تُصان فيها الكرامة بدلاً من أن تُسحق تحت أقدام الجنرالات

لا للحرب نعم للحياة
لا لبيع الأوهام
نعم لوطن يسع الجميع

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x