أسواق النخاسة المعاصرة: حين تتحول دماء النازحين إلى “بزنس”

بقلم: رباني حسين سعيد
بينما يفر السوداني من جحيم الرصاص بحثاً عن الأمان، يجد نفسه أحياناً أمام حرب من نوع آخر؛ حرب لا تستخدم المدافع، بل تستخدم الجشع، والمزايدة السياسية، والفساد المغلف بشعارات الإنسانية. إن “المتاجرة بقضايا النازحين” في السودان اليوم تمثل الطعنة الأكثر إيلاماً في خاصرة الوطن، لأنها تأتي ممن يُفترض بهم أن يكونوا “السند” في وقت المحنة.
السقوط الأخلاقي.. ما وراء الأرقام
خلف كل رقم في إحصائيات النازحين، توجد قصة فقدان لكرامة إنسانية. عندما تتحول معاناة أسرة تفترش الأرض إلى “وسيلة” لجلب تمويل يُنهب في المكاتب، أو “كرت ضغط” في مفاوضات سياسية، فنحن لا نتحدث هنا عن فساد إداري يمكن إصلاحه بمراجعة الحسابات، بل نتحدث عن تآكل في الضمير الجمعي.
إن استغلال حاجة النازح للمأوى لرفع أسعار الإيجارات، أو تحويل السلال الغذائية المخصصة للأطفال إلى بضائع في السوق السوداء، هو تجسيد حي لـ “اقتصاد الحرب” الذي يتغذى على جثث الضحايا وآلام المشردين.
تجليات المتاجرة بالمعاناة
تتعدد وجوه هذه المتاجرة لتشمل:
المتاجرة السياسية: استخدام معسكرات النزوح كمنصات للدعاية الحزبية أو لتسجيل نقاط سياسية، دون تقديم حلول مستدامة لعودة هؤلاء لمنازلهم.
المتاجرة الإغاثية: نشوء “نخب إغاثية” تستفيد من استمرار الأزمة لضمان تدفق الوظائف والمنح، مما يجعل من إنهاء معاناة النازح “خسارة” لمصالحهم الشخصية.
المتاجرة الإعلامية: انتهاك خصوصية النازح وتصويره في لحظات انكساره لجذب “اللايكات” أو التبرعات التي قد لا يرى منها شيئاً.
خارطة طريق لحماية “الكرامة”
إن مواجهة هذا السقوط الأخلاقي لا تبدأ فقط من القوانين، بل من استنهاض الوعي المجتمعي والرقابة الصارمة:
تفعيل الرقابة الشعبية: يجب أن يكون للمجتمعات المحلية واللجان القاعدية دور أساسي في مراقبة توزيع المساعدات وإدارة دور الإيواء، لضمان الشفافية ومنع الوسطاء من التلاعب.
المحاسبة القانونية الرادعة: لا بد من سن قوانين استثنائية تجرم “التربح من الكوارث”، وتعتبر استغلال النازحين جريمة كبرى لا تسقط بالتقادم.
إعلاء الضمير الوطني: المعركة الحقيقية هي معركة قيم. يجب أن تسود ثقافة “التكافل” بدلاً من “الاستغلال”، وأن يُنظر للنازح كصاحب حق أصيل وليس كمستحق للصدقة أو مادة للمتاجرة.
توطين المساعدات: تقليل كدا الاعتماد على البيروقراطية المعقدة وتوجيه الدعم مباشرة للمبادرات المحلية المشهود لها بالأمانة والنزاهة، لتقليل فرص التسرب والفساد.
خاتمة:
إن السودان الذي عرفه العالم بـ “إكرام الضيف” وإغاثة الملهوف، يمر اليوم باختبار تاريخي لقيمه. النازح السوداني الذي ضحى بكل ما يملك من أجل حياته وحياة أطفاله، لا يجوز أن يُترك لقمة سائغة في “أسواق النخاسة” الحديثة. إن استرداد كرامة النازح هي الخطوة الأولى والأساسية نحو استرداد عافية الوطن، فالحرب ستنتهي يوماً، لكن المواقف المخزية ستبقى ندوباً في ذاكرة الأجيال.
صوت الضمير الوطني يجب أن يعلو فوق كل مكسب رخيص؛ لأن الوطن الذي يُباع في أزماته، لا يمكن بناؤه في استقراره.



