مقالات الرأي

أفريقيا في يوم تحريرها: هل تحررنا من الداخل أم تغيرت وجوه المستعمر؟


بقلم: كمال محجوب (أرسطو)


​يُعلمنا التاريخ في أنصع دروسه وأكثرها مرارة، أن الشعوب التي خضعت للاحتلال أو الاستعمار لم تُهزم فقط بقوة السلاح الخارجي، بل طُعنت من الخلف بمساعدة بعض أبنائها. إن التحرر الحقيقي لا يبدأ بطرد آخر جندي أجنبي، بل يبدأ بـالتحرير الداخلي؛ عبر بناء إرادة وطنية صلبة، وتحصين الجبهة الداخلية، ومواجهة المستعمر الخارجي بقوة تماسكنا في الداخل.
​ومع حلول ذكرى اليوم العالمي للتحرير الأفريقي في كل عام، يرتفع سقف الشعارات والاحتفالات، لكن السؤال الجوهري والمؤرق الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بكل شجاعة: هل استطعنا حقاً تحرير أنفسنا من الداخل؟ أم أن عملاء المستعمر لا يزالون يتغلغلون في مؤسسات الدولة، بعد أن ورثوا السلطة والامتيازات ليكونوا مجرد وكلاء وعمالة تنفذ أجندة “الكفيل” الأجنبي؟
​الواقع السوداني: استقلال منقوص ووراثة النخب
​إذا أسقطنا هذا التساؤل على الواقع السوداني منذ فجر الاستقلال في الأول من يناير عام 1956م وحتى يومنا هذا، سنجد تجسيداً حياً لهذه الجدلية.
​لقد خرج المستعمر الثنائي (البريطاني – المصري) بجسده، لكنه ترك وراءه هيكل دولة صُمم أساساً لـ”الاستخراج والنهب” وليس للبناء والتنمية. وللأسف، تسلمت النخب السياسية والعسكرية المتعاقبة هذا الإرث المشوه، وبدلاً من إعادة صياغة الدولة السودانية لتسَع الجميع وتُعبر عن إرادة الشعب، مارست هذه النخب نوعاً من “الاستعمار الداخلي”.
​أبرز ملامح الأزمة السودانية عبر العقود:
​إعادة إنتاج سياسات “فرق تسد”: تبنت الأنظمة المتعاقبة نفس استراتيجيات المستعمر في إشعال الفتن القبلية والجهوية للحفاظ على كراسي السلطة، مما مزق النسيج الاجتماعي.
​ارتهان القرار الوطني: ظلت الدولة السودانية، في كثير من محطاتها، رهينة لمحاور إقليمية ودولية. وتحول بعض الفاعلين في المشهد السياسي والعسكري إلى أدوات لتنفيذ مصالح “كفلاء” خارجيين على حساب دماء الشعب السوداني ومقدراته.
​إهمال التنمية وتكريس المركزية: استمرت عقلية الاستعمار في تهميش الأطراف والتركيز على المركز، مما قاد البلاد إلى حروب أهلية متطاولة، بدأت من الجنوب وصولاً إلى دارفور، والمنطقتين، وحتى العاصمة الخرطوم.
​الوضع الراهن: ذروة التكالب والعمالة
​ما يشهده السودان في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الحرب الراهنة، ليس إلا النتيجة الحتمية لغياب التحرر الداخلي. إن الصراع الحالي يُظهر بوضوح كيف تحولت أطراف محلية إلى مخلب قط لقوى خارجية تطمع في ثروات السودان وموقعه الاستراتيجي.
​لقد أثبتت الأزمة الحالية أن “العمالة” لم تعد مجرد خيانة مستترة، بل أصبحت تحالفات علنية تديرها غرف استخباراتية إقليمية ودولية، حيث يُباع القرار الوطني في سوق المصالح الدولية، بينما يدفع المواطن السوداني البسيط الثمن من أمنه، واستقراره، وحياته.
​طريق الخلاص: التحرر من الداخل أولاً
​إن الاحتفال الحقيقي بيوم التحرير الأفريقي لا يكون برفع الأعلام وتدبيج الخطب، بل بالوقوف أمام مرآة الحقيقة.
​الخلاصة:
لن يستقيم حال السودان، ولن تتوقف دورة العنف والفقر، إلا إذا أدركنا أن العدو الأخطر هو ذلك القابع في الداخل؛ العقلية الإقصائية، والتبعية للخارج، والبحث عن الشرعية من عواصم “الكفلاء” بدلاً من البحث عنها في شوارع الخرطوم، ونيالا، وبورتسودان، ومَدَني.
​إن معركتنا القادمة هي معركة “الوعي والتماسك الداخلي”؛ فمتى ما توحدت الإرادة السودانية على مشروع وطني حقيقي يرفض التبعية، ويمزق شيكات العمالة، حينها فقط سنكون قد تحررنا فعلياً، وصنعنا الاستقلال الذي تليق تضحياته بعظمة هذا الشعب.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x