مقالات الرأي

أين دور الشباب

بقلم: أيمن عبد العزيز (أوباما)

في السودان، حين تتشظى الطرق، يضيع المسافر ولو كان يعرف وجهته. الحرب التي تمددت من الميدان إلى الشاشات، من الخنادق إلى الخوارزميات، لم تُطل عمرها فقط بقوة السلاح، بل بتفرق المسارات. كل طرف يمشي في درب، وكل منصة ترفع راية مختلفة، حتى صار الوطن كقافلة بلا دليل واحد.
الحرب في السودان وجدت في الشحنات العنصرية بيئة خصبة. جراح التاريخ غير المعالجة خرجت من صمتها، وتكلمت بلغة قاسية. القبيلة التي كانت إطاراً اجتماعياً وثقافياً، تحولت في بعض الخطابات إلى متراس. المنطقة التي كانت جغرافيا للذكريات، صارت عنواناً للاصطفاف. وهنا ساهم بعض الشباب، بدافع الانتماء أو الألم أو التضليل، في إعادة إنتاج خطاب يُقسّم الوطن إلى مربعات ضيقة. ومع كل منشور يؤكد سردية الإقصاء، تضيق مساحة السودان الكبير.
ضعف التوعية السياسية لعب دوراً حاسماً. حين يغيب الفهم العميق لطبيعة الدولة، ولمعادلات القوة، ولتاريخ الصراعات، يصبح الشاب عرضة لخطاب تعبوي يُبسط كل شيء ويُلقي اللوم على هوية بعينها. الأخبار المضللة تنتشر أسرع من التصحيح، والشائعة تجد آذاناً متحفزة لتصديقها. في زمن السرعة، يتراجع التحقق، ويتقدم الانفعال.
بهذا المعنى، لم تُطل الحرب عمرها بالسلاح وحده، بل بالكلمة أيضاً. لأنها تحتاج إلى بيئة نفسية تبرر استمرارها، وتمنحها غطاءً أخلاقياً زائفاً. وكلما تعمق الاستقطاب الرقمي، كلما صار التراجع أصعب، وصار السلام يبدو كأنه تنازل لا ضرورة.
لكن الصورة ليست قدراً مغلقاً. الأداة ذاتها التي غذت الانقسام قادرة على صناعة التحول. فالسوشل ميديا ليست شيطاناً ولا ملاكاً، بل مرآة لإرادة مستخدميها. إن كان الشباب هم الأكثر تأثيراً فيها، فهم أيضاً الأقدر على تغيير اتجاهها.
الحل يبدأ بوعي رقمي حقيقي. أن يدرك الشاب أن كل مشاركة مسؤولية، وأن كل إعادة نشر قد تحمل أثراً أبعد مما يتخيل. أن يتعلم مهارات التحقق من الأخبار، وأن يفهم كيف تعمل الخوارزميات، وكيف تُستدرج العواطف لخدمة أجندات خفية. المعرفة هنا ليست ترفاً، بل خط دفاع أول.
ثم يأتي دور بناء خطاب وطني جامع. أن يتحول الفضاء الرقمي من ساحة شتائم إلى ساحة أفكار. أن تُروى قصص التعايش كما تُروى قصص الألم. أن يُستحضر مفهوم المواطنة بوصفه السقف الذي يعلو فوق كل انتماء، لا ليُلغي التنوع، بل ليحميه من التحول إلى صراع.
الشباب قادرون على إطلاق مبادرات رقمية عابرة للجهويات، تجمع مؤثرين من مختلف الأقاليم حول رسالة واحدة، رسالة تُدين الحرب بلا انتقائية، وتُطالب بوقفها بلا تردد. قادرون على تنظيم حملات ضغط سلمية رقمية ترفع كلفة استمرار النزاع أخلاقياً وسياسياً. قادرون على تفكيك خطاب الكراهية بالحجة، لا بالهجوم المضاد.
وهم قبل ذلك كله، قادرون على إعادة تعريف الانتماء. أن يقولوا إن القبيلة مكون ثقافي لا مشروع سلطة، وإن المنطقة ذاكرة مكان لا حدود ولاء، وإن السودان أكبر من أي معسكر. حين يتحول هذا الوعي إلى تيار واسع، ستجد الحرب نفسها معزولة، بلا حاضنة نفسية.
إن الحرب التي اشتعلت في الميدان وجدت في الشاشات ريحاً تزيدها اشتعالاً. فإذا قرر الشباب أن يغيروا اتجاه الريح، خمد اللهيب. المسألة لم تعد سؤالاً عن قوة السلاح، بل عن قوة الكلمة. فالكلمة قد تكون طلقة، وقد تكون ضماداً. والشباب في السودان اليوم يقفون بين الخيارين.
إما أن تظل أصابعهم تكتب ما يطيل الليل، أو تكتب ما يفتح نافذة للفجر. والسودان، وهو ينزف منذ زمن، ينتظر أن تختار هذه الأصابع طريقها.
لقد أثبتت التجربة أن كثرة المبادرات بلا وحدة، تشبه كثرة المفاتيح دون بابٍ جامع. الشباب في الفضاء الرقمي أشعلوا معارك كلامية، وانقسموا بين ولاءات ضيقة، فتعزز الاستقطاب، وتصلبت المواقف، ووجدت الحرب بيئة نفسية تتغذى عليها. لم يكن ذلك بالضرورة نيةً لإطالة النزاع، لكنه كان نتيجة طبيعية لغياب مشروع موحد يلتف حوله الجميع.
من هنا يبرز منطق توحيد الطريق قبل توحيد الشعارات. إذ لا يمكن إيقاف حرب بهذا التعقيد عبر أصوات متفرقة، ولا عبر مبادرات معزولة. الحل، كما تشير بعض الرؤى السياسية المطروحة، يكمن في جمع الإرادة الوطنية تحت سقف واحد، في حوار سوداني سوداني لا يُدار من الخارج، ولا يُصاغ بإملاءات بعيدة عن وجع الداخل.
في هذا السياق، تطرح حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد أحمد النور رؤية تقوم على أن لا مخرج إلا عبر جبهة مدنية عريضة، جبهة تتجاوز الأحزاب التقليدية وصراعاتها، وتضم القوى السياسية والمهنية والشبابية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني، بحيث تتحول من تجمع احتجاجي إلى كتلة ضغط تاريخية.
فكرة الجبهة المدنية العريضة لا تقوم على الإقصاء الشامل، بل على استثناء من ارتبطوا ببنية النظام السابق، أي المؤتمر الوطني وواجهاته، باعتبار أن إعادة إنتاج ذات المنظومة لن يفضي إلا إلى دورة جديدة من الأزمة. ما عدا ذلك، فإن الباب يُفتح أمام كل من يؤمن بالدولة المدنية، وبوحدة السودان، وبالحل السياسي الشامل.
المنطق هنا واضح. الحرب لا تتوقف حين ينتصر طرف عسكرياً، بل حين تتشكل كتلة مدنية واسعة تسحب الشرعية من استمرارها. وحين يتوحد الشباب داخل جبهة واضحة المعالم، يتحول الفضاء الرقمي من ساحة صراع إلى ساحة تنظيم. يصبح الخطاب أقل انفعالاً وأكثر تركيزاً على برنامج سياسي جامع. تتراجع القبلية أمام مفهوم المواطنة، وتتضاءل المناطقية أمام فكرة الدولة.
الحوار السوداني السوداني ليس شعاراً رومانسياً، بل ضرورة سيادية. لأن الحلول المستوردة، مهما بدت جذابة، لا تصمد إذا لم تُبنَ على توافق داخلي. والجبهة المدنية العريضة يمكن أن تكون الإطار الذي ينظم هذا الحوار، ويمنحه ثقلاً شعبياً، ويمنع اختطافه من قبل السلاح أو المصالح الضيقة.
الشباب هنا هم الحلقة المفصلية. إذا ظلوا أسرى الاستقطاب الرقمي، ستبقى الحرب أطول من أعمار أحلامهم. أما إذا قرروا أن يوحدوا خطابهم، وينخرطوا في مشروع جامع، ويدفعوا باتجاه حوار وطني حقيقي، فإنهم يغيرون ميزان القوى دون رصاصة واحدة. لأن القوة الكبرى في أي نزاع ليست عدد البنادق، بل حجم الإرادة المدنية المنظمة.
السودان اليوم لا يحتاج طرقاً متعددة تقود إلى المجهول، بل طريقاً واحداً واضح المعالم، تتقاطع فيه الإرادة الشعبية مع مشروع سياسي جامع. وعندما تتوحد الأصوات تحت سقف جبهة مدنية عريضة، يصبح السلام ليس أمنية، بل احتمالاً واقعياً. وعندها فقط، يتراجع صخب المنصات، ويعلو صوت الوطن.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x