مقالات الرأي

إطالة أمد الحرب…عندما تتقدم الحسابات السياسية على معاناة الشعب

بقلم: د.كمال عبدالعزيز

ما بين الرباعية والخماسية والسباعية، واستمرار إناد حماة الحركة الاسلامية، تدخل الحرب في السودان مرحلة أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت، بينما تتزايد كلفتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة. فمنذ اندلاعها، حصدت الحرب أرواح الآلاف، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، ودمرت البنية التحتية، وأضعفت مؤسسات الدولة، وخلقت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. ولم تعد تداعياتها مقتصرة على السودان، بل امتدت آثارها إلى دول الجوار والإقليم، وأصبحت مصدر قلق للمجتمعين الإقليمي والدولي. وفي مقابل هذه المأساة، لم تتوقف المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب. فقد تحركت الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وعدد من الدول الإقليمية والدولية، لإطلاق مبادرات تهدف إلى وقف إطلاق النار وفتح مسار سياسي يضع حدًا للصراع. إلا أن هذه الجهود تعثرت مرارًا نتيجة تباعد مواقف أطراف النزاع، وغياب الإرادة السياسية الكافية لتقديم التنازلات اللازمة من أجل السلام. ويرى منتقدون أن القيادة العسكرية برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وهيئة اركانه العطا، والقوى الإسلامية التي يعتقدون أنها تؤيد استمرار المواجهة العسكرية، تتحمل جانبًا مهمًا من مسؤولية تعثر فرص ايقاف الحرب بسبب تمسكها بخيار الحسم العسكري ورفضها للمبادرات السياسية. وفي المقابل، ترى أطراف أخرى أن مسؤولية استمرار الحرب لا تقع على جهة واحدة، وإنما هي نتيجة مواقف متصلبة من مختلف أطراف الصراع. ومهما اختلفت التقديرات السياسية، فإن الحقيقة الثابتة هي أن المدنيين يظلون الخاسر الأكبر من استمرار الحرب.

لقد أثبتت تجارب الحروب الأهلية في أفريقيا والعالم أن الحلول العسكرية نادرًا ما تحقق سلامًا مستدامًا، لأن الانتصار في ساحة المعركة لا يعالج جذور الأزمة السياسية ولا يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع. ولهذا، فإن استمرار الرهان على القوة العسكرية يعني في الغالب إطالة أمد الصراع، وتوسيع دائرة الدمار، وتعميق الانقسام الوطني، وتأخير فرص التعافي وإعادة بناء الدولة.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز مسؤولية القوى المدنية والوطنية في توحيد جهودها للدفاع عن خيار السلام، والعمل على بناء رؤية سياسية مشتركة تنطلق من مصلحة المواطن السوداني قبل مصالح الأطراف المتحاربة. كما أن المجتمعين الإقليمي والدولي مطالبان بمضاعفة الجهود الدبلوماسية لدعم مسار تفاوضي شامل يضمن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتوفير المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لعملية سياسية جامعة. إن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُبنى على منطق الغلبة العسكرية، بل على مشروع وطني يؤسس لدولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة الانتقالية، واحترام التنوع، وبناء مؤسسات مدنية قوية قادرة على حماية الحقوق والحريات. فالسلام الحقيقي لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، وإنما بانتصار الوطن على الحرب، والإنسان على الكراهية، والدولة على الفوضى.

لقد أنهكت الحرب السودانيين بما يكفي، وأصبح إنهاؤها ضرورة وطنية وإنسانية لا تقبل التأجيل. وكل يوم إضافي تستمر فيه المعارك يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الأسر التي تفقد أبناءها، ومزيدًا من الأطفال الذين يُحرمون من التعليم، ومزيدًا من الأحلام التي تتحول إلى ركام. ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقتضي تغليب صوت وقف الحرب على صوت السلاح، وإعلاء مصلحة السودان ومواطنه فوق كل الحسابات السياسية والعسكرية، حتى يستعيد الوطن أمنه واستقراره، ويستعيد السودانيون حقهم في الحياة الكريمة.

19 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x