مقالات الرأي

إعلان المبادئ كضرورة تاريخيةالواقعية السياسية في لحظة إنقاذ وطن

بقلم: السمؤل جمال
18/12/2025

في لحظات الانهيار الوطني الكبرى لا تُقاس المواقف السياسية بمدى راديكاليتها الخطابية، بل بقدرتها على وقف النزيف أولًا، وفتح أفق العمل المشترك
ثانياً. ومن هذا المنظور، فإن إعلان المبادئ الصادر عن القوى المدنية المناهضة للحرب لا يمكن قراءته كوثيقة فكرية مجرّدة أو مشروعاً فلسفياً مكتملاً بل كـ أداة سياسية عملية في لحظة سودانية استثنائية، تتقدّم فيها ضرورة إيقاف الحرب وحماية ما تبقى من المجتمع على أي نقاش تأسيسي مؤجل.

إن المقال النقدي الذي وُجِّه إلى الإعلان يقدّم قراءة فكرية عميقة، لا تخلو من وجاهة نظرية، لكنه في المقابل يقع في مأزق شائع في الفكر السياسي السوداني المعاصر:
الخلط بين لحظة التأسيس ولحظة الإنقاذ، وبين مشروع الدولة النهائية وأدوات تجميع القوة المدنية في مواجهة حرب وجودية.

أولًا: وقف الحرب ليس إدارة للانهيار بل شرط أي تأسيس

تفترض القراءة الناقدة أن أي خطاب لا يباشر فوراً
تفكيك الدولة القديمة بكامل بنيتها، هو خطاب إصلاحي محافظ أو إعادة إنتاج للأزمة.
غير أن التجربة السودانية، من اتفاقية أديس أبابا (1972) إلى نيفاشا (2005) إلى ثورة ديسمبر نفسها، تؤكد حقيقة لا يمكن تجاوزها:

لا مشروع تأسيسي ينجح في ظل حرب مفتوحة وانهيار شامل للدولة والمجتمع.

الحرب الجارية اليوم ليست مجرد امتداد نظري للدولة القديمة، بل هي كارثة إنسانية آنية:

أكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ

مدن مدمّرة بالكامل

تفكك النسيج الاجتماعي

اقتصاد منهار

جيل كامل بلا تعليم ولا أفق

في مثل هذا السياق، يصبح وقف الحرب ليس شعاراً أخلاقياً، بل واجبا سياسيا تأسيسيا بحد ذاته، لأنه يعيد الحد الأدنى من المجال العام الذي يمكن داخله طرح أسئلة الدولة والعلمانية والشرعية.

إعلان المبادئ لا ينكر أزمة الدولة، لكنه يختار ترتيب الأولويات:
إيقاف القتل → تجميع القوى المدنية → فتح المسار السياسي → ثم خوض معركة التأسيس.

وهذا ليس هروبا من الأسئلة الكبرى، بل إدراك واقعي لشروط طرحها.

ثانيا: الجبهة المدنية الواسعة شرط هزيمة الحرب لا نقاش النخبة

يُحسب لإعلان المبادئ أنه انطلق من إدراك عملي بأن الحرب في السودان لن تتوقف عبر البيانات الراديكالية وحدها، بل عبر خلق كتلة مدنية عريضة قادرة على:

عزل أطراف الحرب سياسياً

مخاطبة المجتمع الإقليمي والدولي بصوت واحد

حماية ما تبقى من الفضاء المدني

إن نقد الإعلان لأنه لم يتبنَّ فوراً العلمانية أو إعادة هيكلة الجيش أو حق تقرير المصير، يتجاهل حقيقة سياسية مركزية:

الجبهات الواسعة تُبنى على القواسم المشتركة، لا على البرامج القصوى.

تجربة قوى الحرية والتغيير، بكل إخفاقاتها، أثبتت أن غياب الحد الأدنى من الوحدة المدنية يفتح الباب كاملاً أمام العسكر والمليشيات. وإعلان المبادئ، بخلاف ما يُقال، لا يطمس الخلافات الفكرية، بل يؤجل حسمها إلى ساحة سياسية أكثر توازناً، بعد إسكات صوت السلاح.

ثالثًا: بين القطيعة النظرية والمسؤولية السياسية

ينطلق المقال الناقد من تصور صارم للقطيعة التاريخية، يكاد يشترط اكتمال المشروع الفكري قبل أي اصطفاف سياسي. غير أن السياسة، بخلاف الفلسفة، تُمارَس في الزمن، لا خارجه.

إن القوى الموقعة على إعلان المبادئ لا تدّعي أنها تمثل “الدولة الجديدة”، لكنها تمارس مسؤولية اللحظة:

تسمية الحرب كجريمة

تحميل أطرافها المسؤولية

رفض عسكرة السياسة

إعادة الاعتبار للفعل المدني

وهنا يكمن الفرق بين الاستثمار السياسي المشروع والانتهازية:
فالقوى الموقعة لم تنكر خطاب التأسيس، ولم تعادِه، لكنها اختارت أن تعمل بما هو ممكن الآن، لا بما هو مرغوب نظرياً فقط.

رابعاً: العلمانية والتأسيس… سؤال التوقيت لا المبدأ

يُؤخذ على الإعلان تردده في طرح العلمانية، وكأن غيابها اللفظي يعني نفيها السياسي. غير أن التجربة السودانية تُظهر أن:

طرح العلمانية دون كتلة اجتماعية حامية لها يحوّلها إلى شعار معزول

فرض الأسئلة التأسيسية في لحظة حرب شاملة يؤدي إلى استقطاب إضافي لا إلى حل

إعلان المبادئ لم يغلق الباب أمام العلمانية، بل تركه مفتوحا ضمن مسار سياسي تراكمي، يبدأ بإنهاء الحرب وبناء جبهة مدنية قادرة على خوض هذا النقاش من موقع قوة، لا من موقع العزلة.

خامسا: الواقعية السياسية ليست خيانة للتأسيس

ليس كل خطاب غير راديكالي خطاباً محافظاً، وليس كل تدرج خيانة للمشروع.
فكما قال غرامشي نفسه:

التشاؤم في الفكر، والتفاؤل في الإرادة

إعلان المبادئ يمارس هذا التفاؤل الإرادي، في مواجهة حرب تُهدد وجود السودان ذاته. وهو لا يناقض مشروع السودان الجديد، بل يخلق شروط إمكانه السياسية.

الخلاصة: لا تأسيس بلا حياة

إن المقارنة بين إعلان المبادئ ومشاريع التأسيس الكبرى يجب ألا تتحول إلى مفاضلة أخلاقية، بل إلى تكامل أدوار:

هناك من يدفع حدود الفكر والقطيعة

وهناك من يحمي المجال السياسي من الانهيار الكامل

وإذا كان مشروع الدولة الجديدة يحتاج إلى شجاعة فكرية، فإن وقف الحرب يحتاج إلى شجاعة سياسية عملية، وهذا ما عبّر عنه إعلان المبادئ.

في لحظة يُقتل فيها الوطن كل يوم، لا يصبح السؤال:

من يملك الخطاب الأجذر؟
بل: من يوقف الحرب ويفتح الطريق؟

النضال مستمر
والسلام شرط النصر
والوطن يتسع للتأسيس… ولإنقاذه أولاً

تحياتى لك خالد كودى
و استاذى العلامة صابر ابو سعدية
انها لثورة حتى النصر ✌🏾

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x