مقالات الرأي

إعلان بانجول المشترك: جسر العدالة بين السودان والعالم


بقلم : أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد ( صمت القبور)


في الحادي عشر من مايو 2026م، وفي قاعة الاجتماعات الرئيسية للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب المنعقدة في بانجول، عاصمة غامبيا، وقّع ممثلون عن بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان وبعثة تقصي الحقائق المشتركة للجنة الأفريقية على وثيقة حملت اسم “الإعلان المشترك حول السودان”، والذي عُرف إعلامياً وقانونياً باسم “إعلان بانجول”. لم تكن تلك الوثيقة مجرد بيان عابر من بين مئات البيانات التي تصدر عن المنظمات الدولية كل عام، بل جاءت في لحظة دقيقة من تاريخ السودان المعاصر، حيث تتشابك أزمات الحرب، والمجاعة، والانهيار المؤسسي، والنزوح الجماعي، لترسم صورة إنسانية ربما تكون الأكثر قتامة منذ عقود. ما يجعل إعلان بانجول مختلفاً هو أنه لم يصدر من برج عاجي بعيد عن واقع المعاناة، بل جاء نتاجاً لضغط متواصل من منظمات المجتمع المدني السودانية التي ظلت، رغم القصف والحصار والخطر المحدق، توثق الانتهاكات وتنقل الصورة الحقيقية لما يجري على الأرض إلى العالم. إنه، إذا جاز التعبير، تتويج لصراع طويل بين إرادة الحياة والتوثيق من جهة، وقوى الموت والإفلات من العقاب من جهة أخرى. هذا المقال هو محاولة للغوص في تفاصيل هذا الإعلان، وتحليل أبعاده القانونية والإنسانية، واستعراض الدور المحوري الذي لعبته منظمات المجتمع المدني السودانية والإقليمية والدولية في صياغته والدفع به، مع التركيز على ثلاثة محاور كبرى: توثيق الانتهاكات كأساس لأي عدالة، مبدأ عدم الإفلات من العقاب كضرورة لتأسيس سلام حقيقي، وحماية المدنيين كأولوية تتجاوز كل الاعتبارات السياسية والعسكرية.
لفهم أهمية إعلان بانجول، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة السودانية التي اندلعت في منتصف أبريل 2023م وماقبليها من تاريخ السوداني المشعوم ، حين تحول الخلاف حول عملية الانتقال السياسي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى اشتباكات مسلحة في الخرطوم، ثم سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم إلى دارفور، وكردفان، والجزيرة، وسنار، وغيرها من الولايات. ما بدأ كصراع على السلطة والنفوذ تحول سريعاً إلى حرب أهلية شاملة، اتسمت منذ لحظاتها الأولى باستهداف ممنهج للمدنيين، وتدمير ممنهج للبنية التحتية، وارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. أظهرت التقارير الأولية التي جمعتها منظمات حقوق الإنسان السودانية، مثل منظمة توثيق، ومركز الخرطوم لحقوق الإنسان، واللجنة السودانية لحماية المدنيين، أن الانتهاكات لم تكن مجرد تجاوزات فردية أو ثانوية للحرب، بل كانت جزءاً من استراتيجيات قتالية متعمدة. في دارفور، عادت أرواح التطهير العرقي لتطل برأسها من جديد، حيث استهدفت قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها المجتمعات غير العربية، وبالأخص قبائل المساليت والزغاوة والفور، بعمليات قتل جماعية، وحرق للقرى، وتهجير قسري، واغتصاب منهجي. في الخرطوم، تحولت الأحياء السكنية إلى ساحات حرب مفتوحة، حيث قصفت الطائرات الحربية أحياء كاملة، واستخدمت المدفعية الثقيلة في مناطق مزدحمة بالسكان، بينما حوّلت قوات الدعم السريع المنازل والمدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية ومراكز احتجاز وتعذيب.
في مواجهة هذا السيل الجارف من المعاناة، كانت منظمات المجتمع المدني السودانية هي الخط الدفاعي الأول للضحايا. لم يكن أمام النشطاء والعاملين في المجال الإنساني والمحامين والأطباء خيار سوى التحرك، ليس فقط لتقديم المساعدة العاجلة، بل لتوثيق ما يحدث بدقة قانونية تسمح باستخدام هذه الأدلة يوماً ما في المحاكم الدولية والإقليمية. هذه المهمة كانت، ولاتزال، محفوفة بالمخاطر بشكل لا يمكن تصوره. فالتوثيق في زمن الحرب يتطلب التنقل بين خطوط النار، ودخول المناطق المحاصرة، والوصول إلى الجرحى والناجين في ظروف بالغة الصعوبة. كما يتطلب حماية الشهود والضحايا من الانتقام، حيث أن العديد من الذين تحدثوا علناً عن الانتهاكات تعرضوا للتهديد والاختطاف والقتل. رغم كل ذلك، استمرت هذه المنظمات في عملها، وأنشأت قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف الشهادات الموثقة، والصور، ومقاطع الفيديو، والتحاليل الطبية، والتقارير المفصلة عن الحوادث. هذه الجهود هي التي شكلت الأساس الوثائقي الذي اعتمدت عليه لاحقاً بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الأفريقي في إعداد تقاريرها، وكانت الدافع الحقيقي وراء صياغة إعلان بانجول بالشكل الذي جاء به. وليس من قبيل المبالغة القول إنه لولا صمود وتحدي المجتمع المدني السوداني، لكانت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في السودان قد دفنت تحت ركام الصمت والتضليل والإنكار.
من ناحية أخرى، لم تكن جهود المجتمع المدني السوداني منعزلة عن محيطها الإقليمي والدولي. بل على العكس، تمكنت هذه المنظمات من بناء تحالفات وتواصل مستمر مع شبكات حقوق الإنسان الإقليمية، مثل الشبكة الأفريقية لمناهضة جرائم الحرب، والمنظمات الدولية العريقة، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، فضلاً عن آليات الأمم المتحدة المختلفة. هذا التنسيق سمح بتحويل المعرفة المحلية التفصيلية إلى تقارير دولية موثقة ومؤثرة، وخلق ضغطاً دبلوماسياً متزايداً على كل من مجلس السلم والأمن الأفريقي ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات جادة. ويمكن القول إن المجتمع المدني السوداني نجح في تحويل معاناته إلى قوة ضغط سياسي، مستخدماً الأدلة الموثقة كورقة رابحة في مواجهة محاولات التغطية أو التقليل من شأن الانتهاكات.
عندما وصل الأمر إلى انعقاد الدورة السابعة والثمانين للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في بانجول، كان المجتمع المدني السوداني قد أعد العدة جيداً. فقد تمكن من حشد دعم واسع من المنظمات الشريكة لضمان أن يكون السودان على رأس جدول أعمال اللجنة، وأن يتم إصدار إعلان قوي وملزم سياسياً. اللافت في إعلان بانجول هو أنه جاء بطلب وتشجيع من منظمات المجتمع المدني السودانية نفسها، التي شعرت أن الوقت قد حان لرفع مستوى الالتزام من مجرد التقارير الدورية إلى وثيقة مبادئ إستراتيجية تضع خريطة طريق واضحة للمرحلة القادمة. وهكذا، لم تكن وثيقة بانجول مجرد تعبير عن موقف مشترك بين بعثتين دوليتين، بل كانت استجابة لصوت ضحايا الحرب السودانيين الذين طالبوا، عبر ممثليهم في المجتمع المدني، بعدم نسيانهم، وعدم السماح بمرور الجرائم دون محاسبة، وعدم التضحية بحقهم في العدالة على مذبح التسويات السياسية العاجلة.
بالانتقال إلى المضمون القانوني لإعلان بانجول، نجد أنه يمثل تقدماً نوعياً في طريقة مقاربة آليات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية للأزمات المركبة. فأول ما يلفت الانتباه في النص هو الدقة في التكييف القانوني للانتهاكات المرتكبة. لم يكتف الإعلان بعبارات عامة ومرنة مثل “الانتهاكات الجسيمة” أو “الأعمال غير القانونية”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، معتمداً على الأدلة الموثقة التي قدمتها منظمات المجتمع المدني، ليؤكد أن ما يحدث في السودان يرقى بلا شك إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. هذا التكييف ليس مجرد لعبة كلمات قانونية، بل له آثار بعيدة المدى على المستويين الوطني والدولي. فعلى المستوى الوطني، يضع هذا التوصيف أطراف النزاع أمام مسؤولية قانونية مباشرة، حيث أن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يلغي أي احتمالات للعفو أو الإجراءات العسكرية التأديبية الداخلية، ويستوجب محاكمات جنائية أمام محاكم مختصة. وعلى المستوى الدولي، يفتح هذا التكييف الباب لتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية، حيث يمكن لأي دولة، بموجب التزاماتها بموجب اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي، أن تحاكم مرتكبي هذه الجرائم إذا وطأت أقدامهم أراضيها.
ما يجعل إعلان بانجول بالغ الأهمية من الناحية القانونية هو أنه لم يكتفِ بالتصنيف المجرد، بل ذهب إلى تفصيل أنواع محددة من الانتهاكات التي وثقها بدقة، مستنداً في ذلك إلى عمل منظمات المجتمع المدني السودانية. الإعلان أدان وبشكل خاص عمليات التطهير العرقي في دارفور، مشيراً إلى أن هذه العمليات تحمل كل علامات الإبادة الجماعية، حيث استهدفت مجتمعات بعينها لمجرد هويتها العرقية، واقترنت بتصريحات لقيادات عسكرية تحمل خطاباً تحريضياً صريحاً. كما أدان الإعلان بشكل منفرد وبليغ استخدام التجويع كسلاح حرب، حيث سُجلت حالات متعددة لمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق محاصرة، مما أدى إلى وفيات جماعية بسبب الجوع وسوء التغذية، وهو انتهاك صريح للمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف. وإلى جانب ذلك، ركز الإعلان على جريمة العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، ووصفها بأنها “منتشرة ومنهجية”، مستشهداً بشهادات ناجيات وثقتهن منظمات المجتمع المدني، حيث تم استخدام الاغتصاب والعبودية الجنسية كأسلوب إرهاب جماعي، ولعقاب المجتمعات على انتماءاتها أو مقاومتها.
من ناحية أخرى، تناول إعلان بانجول أيضاً انتهاكات الجيش السوداني والمليشيات المتحالفة معه، رغم أن السردية السائدة في بعض الأوساط حاولت تبرير هذه الانتهاكات كـ”أخطاء تكتيكية” أو “ردود فعل مفرطة” في سياق العمليات العسكرية. الإعلان كان واضحاً في أن القصف الجوي العشوائي للأحياء السكنية والمستشفيات والأسواق، واستخدام الأسلحة الثقيلة في مناطق مزدحمة بالمدنيين، وانتهاك حرمة المنشآت الطبية والتعليمية، كلها أفعال لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة عسكرية، وتشكل جرائم حرب واضحة. هذا التوازن في التقييم، على أهميته القانونية، كان له ثمن سياسي باهظ، حيث أدى إلى رفض الحكومة السودانية للإعلان بشكل قاطع، كما سيتم تفصيله لاحقاً. لكن هذا التوازن هو الذي أعطى الإعلان مصداقيته القانونية والأخلاقية، وأظهر أنه لا يخدم أجندة طرف على حساب آخر، بل يخدم هدفاً أسمى هو الحقيقة والعدالة للضحايا أياً كان الطرف الذي ارتكب الجريمة.
من أهم الإسهامات القانونية لإعلان بانجول هو معالجته الصريحة والجريئة لمسألة “الفجوة بين الأنظمة الإقليمية والدولية” في مجال العدالة الجنائية. لسنوات طويلة، عانى النظام الأفريقي لحقوق الإنسان من توتر علني وغير معلن مع المحكمة الجنائية الدولية. هذا التوتر بلغ ذروته في سنوات سابقة حين دعت بعض الدول الأفريقية إلى الانسحاب الجماعي من نظام روما الأساسي، متهمة المحكمة باستهداف أفريقيا وإغفال جرائم القوى الغربية. هذا التوتر كلف القارة ثمناً باهظاً، حيث سمح لكثير من مرتكبي الجرائم بالإفلات من العقاب، واستغلال هذا الخلاف لتعزيز مواقفهم وإضعاف آليات المساءلة. ما فعله إعلان بانجول هو أنه تجاوز هذه العقبة الإيديولوجية، واقترح رؤية عملية مبتكرة قائمة على التكامل بدلاً من التنافس. الإعلان دعا بوضوح إلى دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية في ملف السودان، وخاصة فيما يتعلق بجرائم دارفور التي سبق وأن أحيلت إلى المحكمة بموجب قرار مجلس الأمن 1593. لكنه في الوقت نفسه، لم يتوقف عند هذا الحد، بل ذهب إلى اقتراح إنشاء آلية عدالة أفريقية يمكن أن تنظر في الجرائم الخطيرة المرتكبة في سياق النزاع السوداني، على أن تعمل هذه الآلية بتكامل وتنسيق توثيق مع المحكمة الجنائية الدولية ومع أنظمة العدالة الوطنية إذا توفرت إرادة سياسية وإصلاحات قضائية حقيقية.
هذه الرؤية التكاملية تمثل إنجازاً دبلوماسياً وقانونياً كبيراً، لأنها تقدم حلاً يحترم مبدأ “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية” دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مبدأ المحاسبة الدولية أو خلق ثغرات يمكن للجناة استغلالها. بموجب هذه الرؤية، لا يُطلب من السودان أو من الأفارقة الاختيار بين المحكمة الجنائية الدولية أو آلية أفريقية، بل يُعرض عليهم تكامل يمكن أن يجمع بين ميزة خبرة المحكمة الجنائية الدولية وتراكمها القضائي من جهة، وميزة القرب الجغرافي والثقافي وفهم السياق المحلي من جهة أخرى. إعلان بانجول نجح في تحويل ما كان يعتبر عائقاً إلى فرصة، وحول ثنائية “روما مقابل أديس أبابا” إلى تكامل يمكن أن يصبح نموذجاً يحتذى في نزاعات أخرى في القارة. المنظمات الإقليمية والدولية التي شاركت في صياغة الإعلان، وفي مقدمتها بعثة الأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الأفريقي، أظهرت مستوى عالياً من النضج السياسي والقانوني في تجاوز الخلافات المؤسسية القديمة ووضع مصلحة الضحايا في المقام الأول.
من جهة أخرى، يعكس إعلان بانجول فهماً متقدماً لدور المجتمع المدني ليس فقط في التوثيق، بل في آليات العدالة الانتقالية والمساءلة نفسها. فلم يكتفِ الإعلان بالإشارة السريعة إلى “تقدير” المجتمع المدني، بل ذهب إلى أبعد من ذلك باقتراح آليات محددة لإشراكه في أي عملية عدالة مستقبلية. من بين هذه الآليات، دعوة واضحة لتشكيل لجنة خبراء مستقلة وشفافة يكون فيها ممثلون عن منظمات المجتمع المدني السوداني، سواء في مرحلة جمع الأدلة الإضافية، أو في مرحلة التحليل والتوصيف القانوني، أو في مرحلة التخطيط لبرامج الحماية والدعم النفسي والاجتماعي للضحايا والشهود. هذا الإشراك ليس مجرد مجاملة أو إجراء شكلي، بل هو اعتراف بأن المجتمع المدني هو صاحب المعرفة الأعمق بالسياق والأدق تفصيلاً في تحديد الأولويات. فبينما تتعامل البعثات الدولية غالباً مع القضية من منظور “قضايا كبرى” و”اتجاهات عامة”، فإن منظمات المجتمع المدني هي التي تعرف أسماء الضحايا، وتفاصيل العائلات، وخلفيات الجناة، وشبكات الدعم والتواطؤ المحلية التي مكنت من استمرار الانتهاكات. وهذا النوع من المعرفة التفصيلية هو ما يجعل الفرق بين تحقيق يظل نظرياً وآخر يمكن أن يؤدي إلى إدانات قضائية حقيقية.
بالانتقال إلى المحور الثاني من الإعلان، وهو مكافحة الإفلات من العقاب، نجد أن الوثيقة تعاملت مع هذه القضية باعتبارها ليست مجرد مطلب أخلاقي أو عقابي، بل كشرط أساسي لتحقيق سلام دائم ومستدام. الإعلان يطرح رؤية عميقة ومتبصرة للعلاقة بين العدالة والسلام، نابعة من تجارب مريرة في العديد من دول المنطقة، حيث تم التضحية بالعدالة مراراً على مذبح الاتفاقات السياسية الهشة. في حالات مثل أوغندا، ليبيريا، وإثيوبيا، شهدنا أن صفقات الإفلات من العقاب التي تم تقديمها كـ”تسويات سياسية ضرورية” لم تؤد في النهاية إلى سلام حقيقي، بل خلقت ثقافة إفلات راسخة، وشجعت على تكرار الانتهاكات، وأبقت المجتمعات في حالة من الصدمة والانقسام وعدم الثقة. إعلان بانجول يقرأ هذه الدروس بعناية، ويؤكد أن أي عملية سلام في السودان لا تتضمن آليات واضحة وجدية للمساءلة والمحاسبة ستبقى هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة. فإذا عرف الجناة أن بوسعهم استخدام القوة العسكرية للوصول إلى طاولة المفاوضات ثم الإفلات من العقاب، فسيكون ذلك بمثابة رسالة تشجيع صريحة لهم ولغيرهم على الاستمرار في استخدام العنف كوسيلة لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية.
لذلك، لم يكتفِ الإعلان بالدعوة العامة لمحاسبة الجناة، بل اقترح مجموعة من الآليات القابلة للتطبيق لضمان عدم الإفلات من العقاب.
● الآلية الأولى، والأكثر إلحاحاً، هي ضرورة إنشاء آلية مستقلة لجمع الأدلة وحفظها، تعمل وفق أعلى المعايير الدولية لقبول الأدلة في المحاكم الجنائية الدولية والمختلطة والوطنية. هذه الآلية المقترحة لا تهدف إلى استبدال عمل منظمات المجتمع المدني، بل إلى استكماله وتدقيقه وحفظه بطريقة تضمن سلامته وسريته وإمكانية استخدامه في المستقبل حتى لو تغيرت الظروف السياسية.
● الآلية الثانية هي تخصيص فريق خبراء قانونيين دوليين وأفارقة لتقديم المشورة الفنية والدعم القضائي للادعاء العام السوداني إذا أبدى استعداداً جاداً لمحاكمة مرتكبي الانتهاكات، مع التركيز على بناء قدرات القضاة والمحققين السودانيين في مجال القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي.
● الآلية الثالثة هي إنشاء صندوق دولي لدعم الضحايا والشهود، يقدم الحماية المادية والقانونية والنفسية لأولئك الذين يجرؤون على الإدلاء بشهاداتهم ضد الجناة. هذه الآلية بالغة الأهمية في سياق سوداني تعرض فيه الكثير من الشهود والناجين لتهديدات مباشرة بالقتل أو الاختطاف أو الاغتصاب كعقاب على تعاونهم مع آليات حقوق الإنسان.
● الآلية الرابعة، وهي الأكثر جرأة وابتكاراً، فهي الدعوة إلى تطبيق مبدأ المسؤولية القيادية (Command Responsibility) بصرامة على القادة العسكريين والسياسيين من جميع الأطراف. هذا المبدأ القانوني، الذي تم ترسيخه في محاكمات نورنبيرغ بعد الحرب العالمية الثانية، ينص على أن القائد العسكري أو المدني يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوه إذا كان يعلم أو كان ينبغي له أن يعلم بتلك الجرائم، ولم يتخذ التدابير المعقولة والضرورية لمنعها أو وقفها أو معاقبة مرتكبيها. الإعلان يشير إلى الأدلة الموثقة التي تظهر نمطاً واضحاً من الانتهاكات الممنهجة التي لم يكن من الممكن أن تحدث دون علم أو توجيه من أعلى الهرم القيادي في كل من الجيش والدعم السريع. من خلال التركيز على مبدأ المسؤولية القيادية، يحاول إعلان بانجول رفع مستوى المساءلة إلى أعلى الدرجات، وقطع الطريق على المحاولات المستقبلية لإلقاء اللوم على “عناصر مارقة” أو “تجاوزات فردية” مع حماية القادة الكبار. هذا المبدأ هو السلاح الأقوى لضمان عدم إفلات كبار المجرمين من العقاب.
الانتقال إلى المحور الثالث والأخير من الإعلان، وهو حماية المدنيين، نجد أن الوثيقة تعاملت مع هذه القضية باعتبارها الأولوية القصوى التي تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى. الإعلان واضح وحازم في أن حماية المدنيين ليست مجرد مادة عابرة في القانون الدولي الإنساني، بل هي جوهر هذا القانون وروحه. كل قواعد القانون الدولي الإنساني، من مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، إلى مبدأ التناسب في استخدام القوة، إلى مبدأ الضرورة العسكرية، إلى حظر الأسلحة غير المحددة، كلها تصب في النهاية في هدف واحد: حماية حياة وكرامة المدنيين في زمن الحرب. إعلان بانجول يذكر الأطراف المتحاربة في السودان، وبوضوح لا يقبل التأويل، بأن أي انتهاك لهذه القواعد ليس مجرد خطأ تكتيكي أو ثانوي، بل هو جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي. وهذا التذكير ليس نظرياً، بل مبني على أدلة موثقة من منظمات المجتمع المدني تظهر أن آلاف المدنيين السودانيين قتلوا وجرحوا وشردوا نتيجة انتهاكات منهجية لهذه القواعد.
الأمر الأكثر إلحاحاً وخصوصية في إعلان بانجول هو ربطه بين حماية المدنيين والوصول الإنساني. الإعلان يلاحظ، ومن خلال أدلة دامغة، أن حرمان المدنيين من المساعدات الإنسانية أصبح سلاح حرب بامتياز في النزاع السوداني. المدنيون في مناطق كثيرة، وخصوصاً في دارفور وجبال النوبة والمناطق المحاصرة في الخرطوم الكبرى، وجدوا أنفسهم محاصرين بين خطوط النار، مقطوعين عن أي مساعدات غذائية أو طبية، يواجهون الموت البطيء بالجوع والمرض. هذا الوضع ليس نتيجة عجز لوجستي أو قصور في التخطيط الإنساني، بل هو نتيجة قرارات متعمدة من أطراف النزاع لمنع وصول الغذاء والدواء والماء إلى مناطق معينة كوسيلة لإخضاع سكانها أو معاقبتهم أو تهجيرهم قسراً. الإعلان يدين هذه الممارسة بأقوى العبارات، ويذكر بأن التجويع كسلاح حرب يعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويمكن أن يرقى في ظروف معينة إلى جريمة ضد الإنسانية أو حتى الإبادة الجماعية إذا كان يقصد به تدمير مجموعة بشرية بشكل كلي أو جزئي. لذلك، يطالب الإعلان بـ “وصول إنساني سريع وآمن ومستدام ودون عوائق” كشرط مسبق لأي نقاش حول حماية المدنيين. هذا المطلب ليس رفاهية أو طلباً جانبياً، بل هو حق أساسي للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يلزم أطراف النزاع بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية والسماح بوصول المساعدات إلى المحتاجين دون عوائق أو تأخير.
من ناحية أخرى، يولي إعلان بانجول اهتماماً خاصاً ومفصلاً بحماية الفئات الأكثر ضعفاً، والتي غالباً ما يتم إغفال احتياجاتها الخاصة في الخطابات العامة حول حماية المدنيين. النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة هم الأكثر تضرراً في أي نزاع مسلح، والأكثر احتياجاً لتدابير حماية خاصة ومراعية للفروق. الإعلان يخصص فقرات محددة لكل من هذه الفئات، مع الاستناد إلى شهادات وتقارير منظمات المجتمع المدني المتخصصة. بالنسبة للنساء، يركز الإعلان على ضرورة توفير خدمات صحية جنسية وإنجابية شاملة للناجيات من العنف الجنسي، بما في ذلك الرعاية الطبية الطارئة، والوقاية من الأمراض المنقولة جنسياً، والإجهاض الآمن في حالات الحمل الناتج عن الاغتصاب، بالإضافة إلى الدعم النفسي والقانوني طويل الأمد. بالنسبة للأطفال، يطالب الإعلان بوقف فوري لتجنيد الأطفال في القوات المسلحة والمليشيات، والذي وثقته منظمات المجتمع المدني بشكل متزايد في الأشهر الأخيرة، كما يطالب بإعادة تأهيل الأطفال المجندين سابقاً ودمجهم في برامج التعليم والحماية النفسية. بالنسبة لكبار السن وذوي الإعاقة، يركز الإعلان على ضرورة توفير ممرات إنسانية آمنة لإجلائهم من مناطق القتال، وتوفير مساعدات متكيفة مع احتياجاتهم الخاصة، حيث أن هؤلاء هم الأكثر عزلة والأقل قدرة على الفرار في حالات العنف الجماعي.
غير أن إعلان بانجول لم يمر دون عواصف سياسية عنيفة، كان أبرزها رفض الحكومة السودانية القاطع والعلني للتوثيق. في بيان صادر عن وزارة الخارجية السودانية بعد ساعات من توقيع الإعلان، وصفت الحكومة الإعلان بأنه “فاقد للأساس القانوني”، و”منحاز ومدفوع بأجندات خارجية”، و”يستند إلى معلومات غير موثقة وغير دقيقة”. الحكومة وجهت انتقادات خاصة لبعثة تقصي الحقائق المشتركة للجنة الأفريقية، متهمة إياها بالاعتماد في تقاريرها على مقابلات افتراضية مع لاجئين في مخيمات خارج السودان، وزيارات ميدانية محدودة لم تعكس الحقيقة على الأرض، وتجاهل انتهاكات الطرف الآخر. كما أشارت الحكومة إلى أن الإعلان صدر دون تنسيق مسبق معها ودون احترام مبدأ السيادة الوطنية، وهو ما يعتبر انتهاكاً لقواعد القانون الدولي التي تشترط موافقة الدولة لتولّي أي آلية دولية مهمة تقصي الحقائق على أراضيها.
هذا الرفض يطرح إشكالية قانونية وسياسية عميقة: هل غياب موافقة الدولة أو تعاونها يسقط المشروعية تلقائياً عن إجراءات حماية حقوق الإنسان وتقصي الحقائق؟ الإجابة من وجهة نظر القانون الدولي والأفريقي هي “لا” بشكل قاطع. آليات تقصي الحقائق مثل بعثة الأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الأفريقي لا تستمد شرعيتها فقط من موافقة الدولة المعنية، بل من ثلاث مصادر رئيسية أخرى.
● المصدر الأول هو خطورة الجريمة وتهديدها للسلم والأمن الدوليين والإقليميين، حيث أن الجرائم المرتكبة في السودان، وخصوصاً في دارفور، تسببت في تدفقات لاجئين عبر الحدود إلى تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى، مما هدد استقرار المنطقة بأكملها، ومنح مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي الحق في التدخل لحماية السلم والأمن الدوليين حتى بدون موافقة الحكومة السودانية.
● المصدر الثاني هو تفويض المنظمات الدولية الأم (الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي) لبعثات تقصي الحقائق هذه للقيام بمهامها، وهو تفويض يستند إلى مبادئ وأهداف هذه المنظمات التي صادقت عليها السودان بالتزام الانضمام إليها.
● المصدر الثالث، والأكثر أهمية من الناحية الأخلاقية، هو إرادة الضحايا أنفسهم، الذين طالبوا عبر منظمات المجتمع المدني بالتحقيق في الانتهاكات التي تعرضوا لها ونشر الحقيقة، بغض النظر عن موقف حكومتهم.
علاوة على ذلك، فإن “مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية”، الذي تستخدمه الحكومة السودانية كحجة لرفض الإعلان، له استثناءات راسخة في القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بالجرائم الدولية الخطيرة. مبدأ “مسؤولية الحماية” الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2005م ينص بوضوح على أنه عندما تفشل الدولة في حماية سكانها من الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، التطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية، فإن هذا يفقدها حصانتها السيادية، ويصبح المجتمع الدولي مخولاً، بل وملزماً، بالتدخل لحماية المدنيين. إعلان بانجول هو تطبيق عملي لمبدأ مسؤولية الحماية هذه، حيث أن الحكومة السودانية، إما عن عجز أو عن قصد، لم تنجح في حماية ملايين المدنيين من الانتهاكات الجسيمة، بل في كثير من الحالات، كانت القوات النظامية التابعة للحكومة نفسها طرفاً في تلك الانتهاكات. لذلك، فإن رفض الحكومة للإعلان لا يسقط شرعيته، بل على العكس، يضيف جريمة عرقلة العدالة إلى قائمة الانتهاكات المنسوبة إليها، ويؤكد الحاجة الملحة لإبقاء ضغط دولي مستمر لضمان عدم إفلات أي جناة من العقاب.
ختاماً، يظل إعلان بانجول مجرد وثيقة من ورق ما لم تترجمه القوى الدولية والإقليمية والمحلية إلى أفعال ملموسة على الأرض. قيمته الحقيقية ليست في كلماته البليغة أو تحليلاته القانونية الدقيقة، بل في قدرته على أن يكون أداة للضغط والمناصرة في أيدي منظمات المجتمع المدني السودانية والضحايا أنفسهم. هذه الوثيقة يمكن استخدامها في جلسات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وفي جلسات مجلس السلم والأمن الأفريقي في أديس أبابا، وفي قاعات المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وفي حملات المناصرة العامة التي تهدف إلى كشف الحقيقة وفضح الجناة. إنه ليس نهاية الطريق، بل هو إعلان مبادئ يلزم الضمير الإنساني، ويحدد المعايير الدنيا التي يجب أن تقوم عليها أي عملية سلام أو عدالة انتقالية في المستقبل. بالنسبة للسودانيين الذين يعيشون كابوس الحرب في مخيمات النازحين، أو في أحياء الخرطوم المدمرة، أو في غياهب السجون السرية، فإن قيمة بانجول تكمن في أنه يقول لهم بصوت القانون والأخلاق: لستم وحدكم، والدم الذي سفك ليس بلا ثمن، والألم الذي تحملتموه سيُروى يوماً في سجلات التاريخ كشهادة على وحشية الإنسان، ولكن أيضاً على إصرار الإنسان على العدالة. بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني السودانية، فإن إعلان بانجول هو تتويج لتضحيات زملائهم الذين سقطوا أثناء التوثيق، وهو أداة قانونية جديدة في أيديهم تمكنهم من تصعيد ضغطهم محلياً ودولياً. لقد صار الآن بإمكانهم استخدام بنود هذا الإعلان في التقارير الحقوقية، وفي الدعاوى القضائية، وفي حملات مقاطعة المتورطين في الجرائم. وبينما تتعمق الجرائم وتتسع رقعة الحرب في دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان، تظل الحقيقة المكتوبة والموقعة رسمياً في بانجول هي الشعلة التي تضيء الطريق الطويل والشائك نحو العدالة. الطريق طويل، والجراح غائرة، وثقة الضحايا بالعدالة الدولية مهتزة بعد سنوات طويلة من الوعود الكاذبة والخيبات المتتالية، لكن إعلان بانجول يقدم شيئاً لم يكن متاحاً من قبل: إطاراً قانونياً متكاملاً يجمع بين الشرعية الدولية والإقليمية، وخرائط طريق إجرائية واضحة، والتزاماً صريحاً بعدم الإفلات من العقاب، واعترافاً بالدور المركزي للمجتمع المدني كشريك أساسي في أي عملية عدالة. السؤال الآن ليس هل سينجح الإعلان في تحقيق العدالة، بل هل سيمتلك المجتمع الدولي والإقليمي الإرادة السياسية الكافية لتحويل كلماته إلى واقع، وهل سيبقى الضحايا والمجتمع المدني السوداني على قيد الحياة حتى يحين موعد العدالة المؤجلة.
بتاريخ30مايو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x