إعلان مبادئ نيروبي: قراءة تحليلية في السياق والدلالات والآفاق السياسية

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
يمر السودان بواحدة من أعقد وأخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث تداخلت الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية في مشهد دموي مفتوح، أعاد إنتاج الدولة كمساحة للصراع لا كإطار جامع للمواطنة. وفي ظل الحرب المندلعة منذ أبريل 2023، وما ترتب عليها من دمار شامل لمؤسسات الدولة وانهيار النسيج الاجتماعي، برزت الحاجة الملحّة إلى مبادرات سياسية جادة تتجاوز منطق المحاور العسكرية وتضع قضية السلام والتحول الديمقراطي في مركز الفعل السياسي. في هذا السياق، جاء إعلان مبادئ نيروبي الموقع بين حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور وعدد من القوى السياسية والمدنية والشخصيات الوطنية المستقلة، بوصفه محاولة لتأسيس رؤية مشتركة لوقف الحرب وبناء وطن جديد قائم على العدالة والمواطنة والدولة المدنية. لا يكتسب هذا الإعلان أهميته من نصه فقط، بل من توقيته، وأطرافه، والبيئة السياسية التي نشأ فيها، وما يمكن أن يفتحه من آفاق جديدة للعمل السياسي المناهض للحرب.
إن الأزمة السودانية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية تعود إلى فشل الدولة الوطنية منذ الاستقلال في إدارة التنوع، وتحقيق التنمية المتوازنة، وبناء نظام حكم ديمقراطي مستقر. وقد أدى احتكار السلطة والثروة، وهيمنة النخب المركزية، إلى اندلاع حروب طويلة في الأطراف، كان إقليم دارفور أحد أبرز مسارحها. ومع مرور العقود، تعمقت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحولت مؤسسات الحكم إلى أدوات قمع وإقصاء، بدلًا من كونها آليات لخدمة المواطنين وحماية حقوقهم.
وجاءت ثورة ديسمبر 2018 كحدث مفصلي عبّرت عن تطلعات الشعب السوداني لبناء دولة مدنية ديمقراطية، غير أن تعقيدات المرحلة الانتقالية، وتدخل المؤسسة العسكرية المستمر في الشأن السياسي، أدت إلى إجهاض كثير من آمال الثورة. ثم جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 ليعيد البلاد إلى مربع الاستبداد والصراع، ويمهّد لاحقًا لانفجار الحرب الشاملة بين المكونات العسكرية، وهي الحرب التي دفعت السودان إلى حافة الانهيار الكامل.
أدت الحرب إلى تفكك مؤسسات الدولة، ونزوح ولجوء الملايين، وانهيار الخدمات الأساسية، وتدمير الاقتصاد الوطني، فضلًا عن التدهور الحاد في الوضع الإنساني. وفي ظل هذا الواقع، فقدت الأطراف المتحاربة أي شرعية أخلاقية أو سياسية، وبات واضحًا أن استمرار الحرب لا يخدم سوى قوى الخراب والدمار. ومن هنا، تبرز أهمية أي مبادرة سياسية تسعى إلى إعادة تعريف الصراع باعتباره أزمة سياسية في جوهرها، لا معركة عسكرية يمكن حسمها بالقوة.
في هذا الإطار، يكتسب موقف حركة/جيش تحرير السودان أهمية خاصة، إذ نشأت الحركة في سياق مقاومة التهميش البنيوي والظلم التاريخي، ورفعت منذ تأسيسها شعارات العدالة والمساواة وبناء دولة المواطنة. وتميز موقفها، خصوصًا تحت قيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور، بالتحفظ تجاه التسويات الجزئية التي لا تعالج جذور الأزمة السودانية. فقد رأت الحركة أن كثيرًا من اتفاقيات السلام السابقة لم تحقق السلام الحقيقي، بل أعادت إنتاج النخب المسلحة داخل السلطة، دون تفكيك بنية الدولة الاستبدادية أو إنصاف الضحايا.
ويمثل الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور شخصية سياسية ذات حضور رمزي وأخلاقي، خاصة لدى قطاعات واسعة من المتأثرين بالحرب في دارفور ومناطق الهامش. ورغم الجدل الذي يحيط بمواقفه، فإن مشاركته في إعلان مبادئ نيروبي تعكس انفتاحًا محسوبًا على العمل السياسي المشترك، دون التخلي عن الثوابت المتعلقة بمدنية الدولة، والعدالة، وحقوق الضحايا. وتكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية في ظل رفض الحركة الانخراط في محاور الحرب أو الانحياز لأي طرف عسكري.
كما أن مشاركة قوى سياسية ومدنية متعددة، إلى جانب شخصيات وطنية مستقلة، في توقيع إعلان المبادئ تعكس إدراكًا متزايدًا بأن العمل السياسي المجزأ لم يعد مجديًا، وأن مواجهة الحرب تتطلب جبهة مدنية واسعة تتجاوز الأطر الحزبية والتنظيمية الضيقة. وتمثل الشخصيات المستقلة عنصرًا بالغ الأهمية في هذا السياق، لما تحمله من رصيد اجتماعي وأخلاقي، وقدرة على مخاطبة قطاعات واسعة من المواطنين خارج الاستقطابات الحزبية. ويسهم حضورها في منح الإعلان بعدًا وطنيًا جامعًا، ويعزز مصداقيته بوصفه تعبيرًا عن إرادة عامة، لا مجرد توافق نخبوي محدود.
وقد حاول هذا الإعلان، بمشاركة القوى السياسية والمدنية والشخصيات المستقلة، تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والتنظيمية التقليدية، لصالح توافق سياسي يقوم على برنامج حد أدنى يضع وقف الحرب وبناء الدولة المدنية في صدارة الأولويات. وبذلك، يمثل الإعلان محاولة جادة لتشكيل مركز سياسي جديد مناهض للحرب، لا يخضع لإملاءات العسكر ولا لابتزاز السلاح، ويستند بدلًا من ذلك إلى شرعية أخلاقية وسياسية قوامها الانحياز لمصالح الشعب.
ويبرز في مضمون إعلان مبادئ نيروبي تركيز واضح على أن الحرب هي العدو الأول للشعب السوداني، وأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة الراهنة. هذا الموقف يشكل تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي، خاصة في ظل محاولات بعض القوى تبرير الحرب باعتبارها معركة وجود أو صراعًا صفريًا. كما يؤكد الإعلان على ضرورة بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وفصل الدين عن السياسة، واحترام التنوع الثقافي والديني والعرقي.
كذلك، شددت الوثيقة على أهمية العدالة والمحاسبة، ورفض مبدأ الإفلات من العقاب، باعتبار أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف الضحايا ومساءلة مرتكبي الجرائم. كما اتخذ الإعلان موقفًا واضحًا من القوى المرتبطة بالنظام السابق، ودورها في إعاقة التحول الديمقراطي وإشعال الحرب، ما يعكس وعيًا سياسيًا بخطورة إعادة تدوير الاستبداد تحت أي مسمى.



