مقالات الرأي

إعلان نيروبي تصحيح مسار الثورة وامل حل الازمة السودانية

د.كمال عبدالعزيز

يمر السودان بواحدة من أكثر مراحله التاريخية تعقيدًا، حيث تداخلت الثورة مع الحرب، وتراجعت آمال الانتقال الديمقراطي أمام عنف السلاح وانسداد الأفق السياسي. وفي هذا السياق المأزوم، يبرز إعلان نيروبي بوصفه محاولة جادة لإعادة توجيه البوصلة الوطنية، وتصحيح مسار الثورة عبر قراءة نقدية للتجارب السابقة، والسعي إلى إيقاف الحرب وبناء سلام حقيقي ومستدام.

أهمية إعلان نيروبي لا تنبع فقط من توقيته، بل من المضامين التي يحملها. فهو اعتراف ضمني بأن مسار الثورة قد تعرّض لاختلالات بنيوية مما فتح باب لعودة قوى الظلام في المشهد، سواء على مستوى القيادة السياسية، أو إدارة التحالفات، أو العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية. هذه المراجعة تمثل خطوة ناضجة في الوعي الثوري، إذ لا يمكن لأي مشروع تغيير أن يتقدم دون مواجهة أخطائه بشجاعة ومسؤولية.

لقد كشفت تجارب السنوات الماضية أن إقصاء القوى الاجتماعية والثورية الحقيقية، وتغليب الحسابات الضيقة، والارتهان للمساومات غير المبدئية، كلها عوامل أسهمت في إضعاف عمل الجبهة المدنية، وفتحت الطريق أمام عودة العنف والحرب. ومن هنا، يأتي إعلان نيروبي ليؤكد أن الثورة ليست حدثًا عابرًا، بل عملية تاريخية طويلة تحتاج إلى تصحيح مستمر، وإلى بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والجهوية.

على صعيد الحرب، يمثل الإعلان خطوة مهمة نحو إعادة تعريف الصراع بوصفه مأساة وطنية لا رابح فيها. فالحرب لم تُدمّر البنية التحتية فحسب، بل مزّقت النسيج الاجتماعي، وأدخلت البلاد في دوامة إنسانية غير مسبوقة. ويكتسب أي جهد سياسي يسعى إلى وقفها قيمة أخلاقية ووطنية عالية، خاصة إذا انطلق من رؤية تربط السلام بالعدالة، لا بالمساومات المؤقتة.

إن السلام وبناء الدولة الجديدة الذي يتطلع إليه السودانيون ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل عملية سياسية متكاملة يعالج جذور الأزمة: اختلال توزيع السلطة والثروة، اقصاء الأقاليم، غياب الدولة المدنية، وإفلات الجناة من المحاسبة. وفي هذا الإطار، يفتح إعلان نيروبي نافذة أمل لإعادة طرح هذه القضايا في صدارة المشهد السياسي، بعيدًا عن منطق الغلبة والقوة.

كما أن الإعلان يحمل بعدًا مهمًا يتعلق بإعادة بناء الثقة بين القوى الثورية والجماهير. فالثورة فقدت جزءًا من زخمها بسبب خيبات الأمل المتراكمة، لكن أي خطاب صادق يعترف بالأخطاء، ويطرح رؤية واقعية للمستقبل، يمكن أن يسهم في استعادة هذه الثقة. وهنا تتجلى أهمية أن يتحول إعلان نيروبي من نص سياسي إلى ممارسة عملية، تترجم مبادئه إلى خطوات ملموسة على الأرض.

في المحصلة، يمكن القول إن إعلان نيروبي يشكل محطة مفصلية في مسار الثورة السودانية. فهو ليس حلًا سحريًا لكل الأزمات، لكنه إطار فكري وسياسي حقيقي لإعادة التفكير في الماضي، ومواجهة الحاضر، واستشراف مستقبل يقوم على السلام، والعدالة، والدولة المدنية الديمقراطية. ونجاحه سيظل مرهونًا بمدى استعداد القوى السياسية والثورية لتحويله من إعلان نوايا إلى مشروع وطني جامع، يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، يمهد لحوار شامل ينقل السودان من الحرب الى الامن والاستقرار.

16ديسمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x