مقالات الرأي

إعلان نيروبي… طريق السودان نحو السلام وبناء الدولة المدنية


بقلم: كمال محجوب (أرسطو)


لم تكن أزمة السودان وليدة الحرب الأخيرة وحدها، بل هي نتاج تراكمات تاريخية طويلة من أزمات الحكم، وضعف بناء مؤسسات الدولة، وغياب مشروع وطني جامع يحقق العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد. فالحرب التي يعيشها السودانيون اليوم تمثل امتدادًا لاختلالات عميقة تراكمت عبر عقود، حيث تراجعت قيم الحوار، وضعفت آليات إدارة الدولة، وأصبح استخدام القوة والسلاح وسيلة لحسم الخلافات السياسية بدلًا من الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية.
وفي هذا الظرف التاريخي الدقيق، يأتي إعلان نيروبي لقوى إعلان المبادئ السوداني باعتباره خطوة سياسية ووطنية مهمة، تحمل رسالة واضحة مفادها أن الخروج من الأزمة السودانية لن يكون عبر استمرار الحرب أو انتصار طرف على حساب الوطن، وإنما من خلال السلام والحوار وبناء دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحكم المدني الديمقراطي.
إن اجتماع قوى إعلان المبادئ السوداني، الذي انعقد في العاصمة الكينية نيروبي خلال الفترة من 19 إلى 21 يوليو 2026، يعكس إدراكًا عميقًا لحجم المأساة الإنسانية والسياسية التي يعيشها السودان، وضرورة العمل الجاد من أجل إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام انتقال مدني يعبر عن تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة.
وقد وقف الاجتماع أمام التدهور الإنساني الخطير الذي خلفته الحرب، وما ترتب عليه من نزوح ولجوء وفقدان للأرواح وتدمير للبنية التحتية والخدمات الأساسية. كما أدان استهداف المدنيين واستخدام الوسائل العسكرية التي تزيد من معاناة المواطنين، مؤكدًا أن حماية الإنسان السوداني يجب أن تكون الأولوية القصوى فوق كل الحسابات السياسية والعسكرية.
وأكد الاجتماع كذلك أهمية توثيق الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي، باعتبار أن العدالة تمثل ركيزة أساسية لتحقيق السلام الحقيقي وبناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
وفي ظل هذه الظروف القاسية، يبرز الدور الوطني الكبير الذي تقوم به القوى السياسية والمدنية السودانية، والتي ظلت متمسكة بخيار السلام والديمقراطية رغم التحديات الهائلة. فقد أثبتت هذه القوى، من خلال المبادرات الشعبية والعمل الإنساني والحراك المدني، أنها تمثل صوت المجتمع الساعي إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، والدفاع عن مشروع الدولة المدنية.
إن تقدير دور القوى المدنية السودانية لا ينطلق من مجرد المساندة السياسية، بل من الاعتراف بدورها التاريخي في الحفاظ على فكرة الوطن، ومواجهة محاولات تحويل السودان إلى ساحة صراع دائم بين القوى المسلحة والمصالح الضيقة. فقد ظلت هذه القوى تحمل راية الحوار، وتدعو إلى دولة تقوم على المؤسسات لا على القوة، وعلى المواطنة لا على الإقصاء.
لقد أثبت الشعب السوداني عبر تاريخه الحديث أنه قادر على صناعة التحولات الكبرى، وأن إرادته في الحرية والسلام والديمقراطية أقوى من محاولات القمع والاستقطاب والحروب. ومن هنا فإن دعم القوى المدنية الديمقراطية يمثل دعمًا لخيار الشعب في بناء دولة عادلة تتسع لجميع السودانيين، وتحترم تنوعهم الثقافي والاجتماعي.
إن العملية السياسية المطلوبة للسودان لا ينبغي أن تكون مجرد اتفاق لإنهاء القتال، بل يجب أن تكون مشروعًا وطنيًا متكاملًا يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويضمن مشاركة كل القوى المؤمنة بالسلام والديمقراطية، بعيدًا عن محاولات إعادة إنتاج الأسباب التي قادت إلى الأزمات والحروب.
ويبقى التأكيد على أن تكون العملية السياسية بقيادة سودانية أمرًا بالغ الأهمية، لأن الحلول الحقيقية لا يمكن أن تُفرض من الخارج، وإنما يجب أن تنبع من إرادة السودانيين أنفسهم، ومن حوار شامل يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والفئوية.
إن الحوار السوداني–السوداني ليس مجرد لقاء سياسي عابر، بل هو الطريق نحو استعادة الثقة بين مكونات المجتمع، ومعالجة جراح الماضي، وبناء دولة يشعر فيها كل مواطن بأنه شريك كامل في الحقوق والواجبات.
كما يؤكد إعلان نيروبي أن وقف الحرب، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وتحقيق العدالة، ليست قضايا منفصلة عن بناء المستقبل، بل هي الأساس الذي يجب أن يقوم عليه السودان الجديد.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى إسكات البنادق، بل يحتاج إلى إعادة بناء الدولة على أسس سليمة، وإطلاق عملية تنمية شاملة، وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون. فالأوطان لا تُبنى بالقوة، وإنما بالإرادة السياسية الصادقة، والحكمة، والقدرة على تجاوز خلافات الماضي من أجل مستقبل مشترك.
وفي هذا الطريق، فإن الدور الذي تضطلع به القوى السياسية والمدنية السودانية يمثل عنصرًا أساسيًا في إنقاذ البلاد من دائرة الحرب والانقسام، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها السلام، والمصالحة، والعدالة، والتنمية.
إن إعلان نيروبي يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة أمل بأن السودان قادر على تجاوز محنته، وأن شعبه الذي قدم تضحيات عظيمة من أجل الحرية والكرامة قادر على بناء دولة تليق بتاريخه وتطلعات الأجيال القادمة.
ويبقى الدرس التاريخي واضحًا: إن السودان لن يخرج من أزماته إلا عندما ينتصر صوت الحكمة على صوت الحرب، وعندما يجتمع أبناؤه حول مشروع وطني جامع يؤمن بأن قوة السودان الحقيقية تكمن في وحدته وتنوعه، وفي قدرة شعبه على صناعة مستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x