إنهاء الحرب وبناء الدولة

بقلم: د. كمال عبدالعزيز
21 أغسطس 2026م
السودان لا يحتاج إلى تسوية تنهي جولة من القتال لتهيئ الطريق لجولة جديدة، ولا إلى حوار يعيد توزيع السلطة بين أطراف الصراع، وإنما يحتاج إلى مشروع تاريخي ينهي الحرب من جذورها ويفتح الطريق أمام تأسيس دولة جديدة قادرة على إدارة التنوع والاختلاف سلمياً. ومن هذا المنطلق، يقوم الخروج من الأزمة على ثلاث حلقات مترابطة: وقف الحرب، وحوار سوداني حقيقي بقيادة مدنية، ثم إعادة بناء وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة. فاستمرار الحرب لا يمكن أن يكون طريقاً إلى السلام؛ لأنها تعمّق منطق الغلبة والإقصاء والانتقام، وتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر قتلاً ونزوحاً وتشريداً وانهياراً للخدمات، فضلاً عن آثارها النفسية والاجتماعية العميقة. لذلك، فإن الدعوة إلى وقف الحرب ليست موقفاً محايداً بين المتحاربين، وإنما انحياز للإنسان السوداني ولمستقبل الدولة. والسلام الحقيقي لا يعني إسكات البنادق مؤقتاً، بل معالجة البيئة السياسية والاجتماعية التي جعلت الحرب ممكنة ومنع إعادة إنتاجها مرة أخرى.
وهنا تأتي أهمية الحوار السوداني. فالحوار المطلوب ليس حواراً بين أطراف الحرب لتقاسم النفوذ، ولا حواراً داخل المنظومة العسكرية وبين البرهان وحلفائه من الجيش، وإنما حوار سوداني حقيقي حول السؤال الجوهري: أي دولة نريد أن نبني؟ ولذلك، فإن أي مسار سياسي يظل محصوراً في إرادة أطراف الحرب وحلفائها لا يمكن أن يمثل بديلاً عن الحوار السوداني الشامل؛ لأن محاورة الذات لا يمكن أن تنتج حلاً للأزمة، وإنما تعيد ترتيب مواقف أطرافها وتمنح الحرب غطاءً سياسياً وتؤجل معالجة جذورها. إن القوى السودانية الداعية إلى وقف الحرب والحل الشامل مطالبة بتوحيد جهودها حول مسار سياسي مستقل عن طرفي القتال، يرفض الإقصاء والاستقطاب، ويضع حياة المدنيين وقيام الدولة المدنية الديمقراطية فوق مصالح القوى المتحاربة.
لكن وقف الحرب والحوار وحدهما لا يكفيان؛ فالسؤال الأهم هو: لماذا تتكرر الحرب في السودان؟ لقد أنتجت عقود من اختلال الدولة، وإقصاء الأقاليم، ومركزية السلطة والثروة، والانقلابات العسكرية، وتسييس المؤسسات الأمنية والعسكرية، وضعف النظام الدستوري، بيئة جعلت القوة وسيلة متكررة لحسم الخلافات. لذلك، لا يكفي تغيير الحكام أو إعادة توزيع المناصب، وإنما المطلوب إعادة بناء وتأسيس الدولة السودانية: دولة القانون والمؤسسات، ودولة المواطنة المتساوية، ودولة التوزيع العادل للسلطة والثروة، وجيش وطني مهني يخضع للدستور والسلطة المدنية. كما أن بناء السلام يتطلب العدالة الانتقالية والمصالحة وإعادة بناء الثقة؛ فالعدالة ليست انتقاماً، والمصالحة ليست نسياناً، وإنما إنصاف للضحايا وكشف للحقيقة ومحاسبة للمسؤولين عن الانتهاكات، وخلق لشروط جديدة تمنع تحول ذاكرة الحرب إلى وقود لحرب أخرى. لذلك، فإن العودة إلى ما قبل الحرب ليست حلاً، لأن البيئة التي أنتجت الحرب ستنتج حرباً أخرى.
وهذا هو جوهر موقف حلف الشعب العريض، وهو الاسم الآخر لحركة تحرير السودان الرافضة للحرب؛ موقف ينحاز إلى الإنسان السوداني ويدعو إلى وقف الحرب، وحوار سوداني حقيقي بقيادة وطنية ومدنية، ثم إعادة بناء وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة. إنها ليست مراحل منفصلة، بل مشروع واحد؛ فوقف الحرب يوقف النزيف، والحوار يفتح الطريق للحل السياسي، وإعادة تأسيس الدولة تمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب. السودان لا يحتاج إلى انتصار عسكري لطرف على آخر، بل إلى انتصار الوطن على الحرب، وانتصار الدولة على الفوضى، وانتصار القانون على القوة، وانتصار المواطنة على التمييز. لقد حان الوقت ليتوقف السودانيون عن سؤال: من يحكم السودان؟ وأن يبدأوا في طرح السؤال الأهم: أي سودان نريد أن نبني؟ فإذا كان هدفنا سوداناً لا تعود فيه الحرب، فإن الطريق واضح: نوقف الحرب، ونتحاور كسودانيين، ونعالج جذور الأزمة، ونؤسس دولة جديدة يتساوى فيها الجميع. أما حوار البرهان مع حلفائه داخل المنظومة العسكرية، فهو ليس حواراً سودانياً شاملاً، وإنما تدوير للأزمة وإطالة لمعاناة السودانيين وتأجيل لمواجهة جذورها الحقيقية.



