مقالات الرأي

اديس ابابا تكشف المستور من يعطل السلام ومن يعيد انتاج الازمة!

بقلم: مصعب أحمد

ما جرى في اديس ابابا خلال الايام الماضية لم يكن مجرد اجتماع سياسي جديد يضاف الى سلسلة الاجتماعات السودانية التي لا تنتهي بل كان اختبارا حقيقيا لمواقف القوى السياسية السودانية امام استحقاقات السلام وانهاء الحرب وبناء دولة جديدة

ومن بين اكثر التناقضات وضوحا ما كشفته حركة /جيش تحرير السودان عندما اعلنت انها رفضت التوقيع مع الكتلة الديمقراطية بسبب رفض الاخيرة تضمين نص واضح يقضي بابعاد المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية وواجهاتهما من العملية السياسية وهنا يبرز سؤال مشروع لماذا تصر الكتلة الديمقراطية على الدفاع عن حق المؤتمر الوطني في العودة الى المشهد السياسي؟ ولمصلحة من يتم التمسك بابقاء الباب مفتوحا امام القوى التي ارتبط اسمها بثلاثة عقود من الاستبداد والفساد والحروب والانقسامات؟

اذا كانت القوى السياسية جادة في الحديث عن بناء وطن جديد فان اولى خطوات البناء هي الاعتراف بان المؤتمر الوطني ليس مجرد حزب سياسي كبقية الاحزاب بل هو تنظيم ارتبط اسمه بانتهاكات جسيمة وبتدمير مؤسسات الدولة واشعال الحروب وتمزيق النسيج الاجتماعي وافساد الحياة السياسية لذلك فان الحديث عن اشراكه في رسم مستقبل السودان يشبه مطالبة الضحية باعادة تسليم مصيرها لجلادها

وفي المقابل جاء بيان الحزب الشيوعي السوداني ليكشف بدوره جانبا اخر من الازمة فالحزب ركز بصورة اساسية على انتقاد عدم ادانة الدعم السريع بشكل مباشر وانتقد القوى المدنية التي شاركت في ترتيبات المرحلة الانتقالية قبل انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر 2021م لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليس الحزب الشيوعي نفسه جزءا من تحالف قوى اعلان الحرية والتغيير الذي ادار تلك المرحلة ؟ واين كانت هذه المراجعات النقدية عندما كان الحزب شريكا في ذات التحالف؟

ان الازمة السودانية لا يمكن اختزالها في المؤسسة العسكرية وحدها كما لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية الفشل الوطني فهناك قوى مدنية ايضا ادمنت الفشل السياسي وكررت الاخطاء ذاتها واهدرت فرصا تاريخية كان يمكن ان تضع السودان على طريق الاستقرار واليوم نشهد تناقضات صارخة فبعض القوى التي تتحدث عن الدولة المدنية ترفض حسم قضايا جوهرية وبعضها يرفع شعارات التغيير بينما يعيد انتاج ذات الممارسات التي قادت الى الانهيار

الاخطر من ذلك ان بعض الاطراف ما زالت تتعامل مع السلام باعتباره مجرد اتفاق سياسي او تقاسم جديد للسلطة بينما الحقيقة ان السلام له استحقاقات وثمن كما ان للحرب استحقاقاتها وثمنها الباهظ ولا يمكن الانتقال الى مرحلة جديدة بعقلية قديمة او بذات الوجوه والخطابات التي ساهمت في صناعة الازمة

ان بناء سودان جديد يسع الجميع يتطلب اولا شجاعة الاعتراف بالاخطاء ومراجعة الذات فلا العسكريون وحدهم مسؤولون عن الكارثة ولا المدنيون ابرياء بالكامل ولا الحركات المسلحة معفاة من النقد الجميع مطالبون بمراجعة مواقفهم وتجاربهم اذا كانوا يريدون فعلا تأسيس دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون

اما الاصرار على اعادة الحركة الاسلامية وواجهاتها الى العملية السياسية تحت اي مسمى فهو ليس مصالحة وطنية ولا تسوية تاريخية بل محاولة لترميم مشروع فشل في ادارة الدولة واوصل البلاد الى هذا الخراب ان اعادة تدوير المؤتمر الوطني لا تختلف كثيرا عن اعادة تدوير النفايات السياسية فهي تعيد انتاج الازمة ذاتها بادوات جديدة

ان الطريق الى السلام الحقيقي يبدأ باقرار مبدأ المحاسبة وعدم الافلات من العقاب فكل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوداني يجب ان يمثل امام العدالة بغض النظر عن موقعه او انتمائه السياسي او العسكري اما قيادات المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية المتورطة في الانتهاكات والفساد واشعال الحروب فمكانها الطبيعي هو ساحات العدالة لا موائد التفاوض لرسم ملامح المستقبل

لقد اثبتت التجارب ان بناء الاوطان لا يتم بالمساومات على المبادئ ولا باعادة انتاج القوى التي قادت الى الانهيار ولا بالهروب من النقد الذاتي واذا كانت القوى السياسية السودانية جادة في الحديث عن وطن جديد فعليها اولا ان تتحرر من ارث الفشل الذي تحمله وان تدرك ان السلام ليس مجرد وقف لاطلاق النار بل تأسيس لعقد وطني جديد يقوم على العدالة والمحاسبة والمواطنة المتساوية
وما دون ذلك ليس سوى اعادة انتاج للازمة التي اوصلت السودان الى حافة الهاوية.


5-مايو 2026م

مقالات ذات صلة

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
عبدالباري إبراهيم
عبدالباري إبراهيم
1 شهر

لا نريد الاكازيب في الصحافة السودانية واي مسؤول يكزب لابد يحاسب ويطرد من المؤسسة العامه

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x