اديس ابابا تكشف المستور من يملك مشروعا وطنيا للسودان؟

بقلم: مصعب أحمد
كشفت مشاورات اديس ابابا خلال الايام الماضية حقيقة مهمة ظلت غائبة عن المشهد السياسي السوداني لفترة طويلة وهي ان ازمة السودان ليست فقط ازمة حرب ولا ازمة صراع على السلطة بل هي في جوهرها ازمة مشروع وطني ورؤية سياسية قادرة على ادارة دولة بحجم وتعقيد السودان
فمن يتابع مواقف القوى السياسية والعسكرية والمدنية المشاركة في النقاشات الجارية يلاحظ ان كثيرا من القوى التي ظلت تقدم نفسها باعتبارها حامية للدولة او المتحدثة باسم الوطنية السودانية لا تزال عاجزة عن تقديم مشروع وطني متكامل يجيب على الاسئلة الكبرى المتعلقة بالمواطنة والهوية وتقاسم السلطة والثروة وادارة التنوع وبناء الدولة
لقد كشفت النقاشات والبيانات الصادرة عقب اجتماعات اديس ابابا ان جزءا كبيرا من النخبة السياسية السودانية ما زال اسير خلافات الماضي وصراعات السلطة والحسابات الحزبية الضيقة بينما يحتاج السودان اليوم الى افق جديد ورؤية مختلفة تتجاوز عقلية الغلبة والاقصاء
ومن المفارقات التي تستحق التوقف عندها ان القوى التي تتعرض باستمرار للهجوم والتشويه والوصم بمختلف الاوصاف استطاعت ان تطرح وثائق ورؤى سياسية تتناول قضايا التعدد والتنوع والمواطنة والعلاقة بين مكونات الدولة بصورة اكثر وضوحا من كثير من القوى السياسية التقليدية التي ظلت لعقود طويلة تحتكر الحديث باسم الوطن والديمقراطية
نحن لا نقدس الاشخاص ولا التنظيمات ولا التحالفات السياسية فالتجارب اثبتت ان الافراد يخطئون وان التنظيمات تتغير وان التحالفات تتبدل لكن ما يبقى هو المبادئ والمشاريع الوطنية القادرة على الصمود امام اختبار الزمن
ولذلك فان تقييم اي مشروع سياسي يجب ان يكون على اساس ما يقدمه من حلول للازمة السودانية وليس على اساس اسماء الاشخاص الذين يقفون خلفه او الحملات السياسية التي تستهدفه
فاذا كان الهدف بالفعل هو بناء سودان جديد يسع الجميع فان المعيار يجب ان يكون قدرة اي مشروع على الاعتراف بالتعدد والتنوع وطرح رؤية واضحة لدولة المواطنة المتساوية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة بصورة عادلة بين جميع السودانيين
وفي المقابل كشفت مشاورات اديس ابابا حجم التناقضات داخل بعض القوى السياسية التي ترفع شعارات الديمقراطية والتغيير بينما تتجنب الاجابة عن الاسئلة الجوهرية المتعلقة بمستقبل السودان وبالاسباب الحقيقية التي قادت البلاد الى هذه الحرب
كما كشفت ان بعض القوى لا تزال تتعامل مع السياسة باعتبارها مجرد صراع على المواقع والنفوذ لا باعتبارها عملية لبناء مشروع وطني جامع
ومن بين اكثر القضايا التي اثارت الانتباه الجدل حول مستقبل المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية ودورهما في اي عملية سياسية قادمة فبدلا من تقديم موقف واضح وحاسم تجاه القوى التي ارتبط اسمها لدى قطاع واسع من السودانيين بثلاثة عقود من الاستبداد والفساد والحروب والانقسامات انشغل البعض بتغيير مسار النقاش والابتعاد عن جوهر القضية
وهنا تبرز ازمة المصداقية التي اصبحت واحدة من اكبر مشكلات العمل السياسي السوداني فالمواطن السوداني لم يعد يبحث عن الشعارات الكبيرة بقدر ما يبحث عن الوضوح والاتساق بين القول والفعل
السودان اليوم لا يحتاج الى مزيد من الاصطفافات ولا الى معارك البيانات ولا الى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج الى مشروع وطني حقيقي يعترف بالواقع كما هو ويطرح حلولا عملية للخروج من الازمة
لقد اثبتت الحرب ان الدولة القديمة بصيغتها التقليدية لم تعد قادرة على الاستمرار وان محاولات اعادة انتاج الازمة عبر الوجوه نفسها والافكار نفسها لن تقود الا الى مزيد من الانهيار
ولهذا فان السؤال الاهم الذي طرحته مشاورات اديس ابابا ليس من يقف مع هذا الطرف او ذاك وليس من ينتصر في معركة التصريحات السياسية بل من يملك مشروعا وطنيا حقيقيا للسودان
من يملك رؤية لبناء دولة تقوم على المواطنة لا الامتيازات وعلى العدالة لا المحاصصات وعلى المشاركة لا الاقصاء وعلى السلام المستدام لا الهدن المؤقتة
ذلك هو السؤال الذي يجب ان يشغل السودانيين اليوم لان مستقبل البلاد لن تصنعه الشعارات ولا الاصطفافات بل ستصنعه الرؤية الوطنية القادرة على استيعاب الجميع وبناء دولة تسع الجميع
7,يونيو 2026م


