مقالات الرأي

استخدام المكونات الاجتماعية في الصراعات في السودان وإقليم دارفور عبر الإدارات الأهلية الذي انحرف من أداء دوره الأساسي وسط المجتمعات


بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


تمثل الإدارات الأهلية في السودان أحد أعرق أنظمة الحكم المجتمعي في أفريقيا والعالم اجمع، حيث نشأت وتطورت عبر قرون من الممارسة والتجربة لتشكل إطاراً للعدالة والوساطة وحل النزاعات بعيداً عن تدخل السلطات المركزية. لكن هذه المؤسسات العريقة تعرضت خلال العقود الأخيرة لعملية تحول جذرية، حيث تم انتزاعها من سياقها الطبيعي وتحويلها إلى أدوات بيد النخب المتصارعة على السلطة والثروة، خاصة في مناطق الصراع المفتوحة كإقليم دارفور. لم يعد الحديث عن الإدارات الأهلية قاصراً على دورها التقليدي في حفظ السلم الاجتماعي وإصلاح ذات البين، بل أصبح جزءاً من تشخيص أعمق لأزمة الحكم في السودان، حيث استغلت النخب السياسية والعسكرية هذه المؤسسات لتمرير أجنداتها وتحصين مواقعها، مستفيدة من ضعف البنى المجتمعية التي أفرزتها عقود من التهميش وسوء الإدارة.
إن فهم التحول الذي طرأ على الإدارات الأهلية يستدعي العودة إلى جذورها التاريخية ودورها المحوري في النسيج الاجتماعي السوداني. فقد ارتبطت هذه المؤسسات بنظام القيم المجتمعية القائمة على التكامل والتعايش بين المكونات المختلفة، حيث كان الزعماء التقليديون وشيوخ القبائل وعمد القرى يشكلون حلقة الوصل بين المجتمع والسلطة، ويقومون بدور الوساطة والتحكيم في النزاعات التي تنشب بين الأفراد أو الجماعات. كان نظام الجودية في إقليم الغرب السودان نموذجاً حياً لهذا الدور، حيث يجتمع أعيان المجتمع تحت ظل شجرة اللالوب أو في المساجد للنظر في القضايا العالقة، وتصدر قراراتهم بإجماع الحاضرين، وتنفذ بتضامن جماعي يعكس عمق التماسك الاجتماعي. لم يكن هذا النظام مجرد آلية لحل النزاعات، بل كان مؤسسة اجتماعية متكاملة تعكس القيم الأخلاقية للمجتمعات السودانية، مثل الكرم والشجاعة والتسامح والالتزام بالعهد، وهي القيم التي جعلت السودان عبر تاريخه الطويل نموذجاً للتعايش بين أكثر من خمسمائة قبيلة ومجموعة عرقية ولغوية مختلفة.
لكن هذا البناء الاجتماعي المتين بدأ يتآكل منذ الاستعمار البريطاني، الذي اتبع سياسة الحكم غير المباشر التي عملت على تعزيز الولاءات القبلية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. ورغم أن هذه السياسة كانت تهدف في ظاهرها إلى تبسيط إدارة المستعمرات، إلا أنها زرعت بذور الانقسام المجتمعي التي تفاقمت بعد الاستقلال. فقد عملت إدارة الحكم الثنائي على تدوين العادات والقبلية وتجميدها في قوالب جامدة، ما حال دون تطورها الطبيعي وتكيفها مع متغيرات العصر، كما عملت على تعزيز سلطات الزعماء التقليديين ومنحهم صلاحيات تتجاوز بكثير ما كانوا يتمتعون به في المجتمعات التقليدية، ما جعلهم أكثر ارتباطاً بالسلطة الاستعمارية وأقل استجابة لمتطلبات مجتمعاتهم. بعد الاستقلال، ورثت الحكومات الوطنية هذا النظام دون أن تعيد هيكلته بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة، فاستمرت الإدارات الأهلية في العمل وفق آليات قبلية متصلبة، بينما كانت الدولة تفشل في بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب التنوع المجتمعي وإدارة النزاعات بطرق عصرية.
مع وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب حزيران 1989م، دخلت الإدارات الأهلية مرحلة جديدة من التوظيف السياسي الممنهج. لم يكن النظام الجديد الذي قاده عمر البشير وحسن الترابي مهتماً بالإدارات الأهلية كأداة لحل النزاعات بقدر ما رأى فيها وسيلة فعالة لتفكيك المعارضة وإعادة إنتاج السلطة وفق أسس هوياتية ضيقة. فقد عمل النظام على تصفية القوى السياسية المدنية والمنظمات النقابية والمهنية التي كانت تشكل نسيج المجتمع المدني، وفي غياب هذه المؤسسات، أصبحت الإدارات الأهلية والمكونات القبلية هي القنوات الوحيدة المتاحة للتواصل مع المجتمعات المحلية، ما أعطى النظام فرصة لفرض هيمنته على هذه المؤسسات وإخضاعها لأجندته السياسية. بدأ النظام في تبني سياسة منظمة لتسييس الهوية القبلية، حيث تم استقطاب النخب القبلية عبر منحهم امتيازات اقتصادية وسلطوية مقابل ولائهم للنظام، وتحويل النزاعات العادية حول المراعي والمياه والموارد إلى مواجهات عرقية يمكن للنظام أن يلعب دور الوسيط فيها لتعزيز نفوذه.
كانت سياسة التوطين في دارفور واحدة من أخطر التجليات لهذا النهج، حيث شجعت حكومة الإنقاذ على هجرة القبائل العربية من تشاد وليبيا إلى دارفور، وزودتهم بالسلاح وشكلتهم في ميليشيات عرفت لاحقاً بالجنجويد، ووضعت هذه الميليشيات تحت تصرف الإدارات الأهلية التي باتت موالية للنظام. لم يكن الهدف من هذه السياسة هو تحقيق أي تنمية حقيقية، بل كان إعادة تركيب التركيبة السكانية في دارفور لصالح القبائل الموالية، وخلق حالة من الفوضى المنظمة تبرر تدخل الجيش واستمرار حالة الطوارئ التي كانت تمكن النظام من البقاء في السلطة. عندما اندلعت الحرب في دارفور عام 2003م، لم تكن مجرد تمرد مسلح ضد المركز، بل كانت تتويجاً لعملية طويلة من التوظيف الممنهج للإدارات الأهلية والمكونات الاجتماعية في الصراع. فقد انقسمت دارفور على نفسها، ليس وفق خيارات سياسية طوعية، بل وفق هويات عرقية وقبلية أعاد النظام إنتاجها وسلحها، فتحولت الإدارات الأهلية من مؤسسات لحفظ السلم إلى أطراف في الحرب، وأصبح شيوخ القبائل وعمد القرى الذين كانوا يمثلون مرجعيات لحل النزاعات قادة ميليشيات أو ضحايا لتصفيات جسدية.
المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير في نيسان 2019م، مثلت فرصة تاريخية لإعادة بناء الإدارات الأهلية على أسس جديدة، لكنها للأسف لم تستثمر بشكل كاف. فقد انشغلت القوى السياسية بالصراع على السلطة في الخرطوم، بينما ظلت الإدارات الأهلية في الأقاليم تعمل وفق الآليات القديمة، بل وتزايد دورها في ظل الفراغ المؤسسي الذي خلفه انهيار النظام القديم. استمرت الإدارات الأهلية في إدارة النزاعات المحلية وفق قوانين عرفية لا تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة في ما يتعلق بالعدالة الجنائية وقضايا المرأة، كما ظلت هذه المؤسسات عرضة للاختراق من القوى السياسية والعسكرية التي كانت تتنافس على ملء الفراغ. الانقلاب العسكري الذي قاده البرهان وحميدتي في تشرين الأول 2021م كان بمثابة ضربة قاضية للعملية الانتقالية، وعادت الإدارات الأهلية لتكون رهينة في الصراع الجديد بين الجيش وقوات الدعم السريع.
الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من نيسان 2023م كشفت عن المدى الذي وصلت إليه عملية انحراف الإدارات الأهلية عن دورها الأساسي. ففي دارفور بشكل خاص، تحولت الإدارات الأهلية والمكونات الاجتماعية إلى ساحات مفتوحة للصراع بين القوتين العسكريتين المتناحرتين، حيث استخدم الجيش قصفه الجوي للمناطق المدنية بحجة أنها حاضنات اجتماعية لقوات الدعم السريع، في إشارة واضحة إلى استهداف مجتمعات بعينها بناء على هويتها العرقية. بالمقابل، عملت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها على توظيف الإدارات الأهلية لقبائل عربية بعينها لشن هجمات منظمة ضد مجتمعات الفور والمساليت والزغاوة في اقليم دارفور، في عملية وصفها مراقبون دوليون بأنها إبادة جماعية. لم يعد القتال في دارفور صراعاً على مواقع عسكرية، بل تحول إلى حرب ضد المدنيين على أساس هوياتهم العرقية، حيث تم تدمير قرى بأكملها وتهجير سكانها وارتكاب انتهاكات جسيمة بحق النساء والأطفال، وكثير من هذه الانتهاكات تمت تحت مظلة أو بغطاء من الإدارات الأهلية التي انحرفت عن دورها.
ما حدث في مدينة كرنوي بولاية شمال دارفور في آب 2024م يقدم نموذجاً مأساوياً على كيفية انحراف الإدارات الأهلية وتحولها إلى أداة في الصراعات السياسية. فقد اندلع نزاع مسلح بين عشيرتين من قبيلة الزغاوة الواحدة، أسفر عن مقتل 19 شخصاً على الأقل بينهم قادة قبليون بارزون، وتهجير آلاف الأسر من منازلها. كانت جذور هذا النزاع تبدو للوهلة الأولى محلية، حيث نشب الخلاف حول اختطاف الزعيم القبلي آدم صبي في ظروف غامضة، لكن سرعان ما تبين أن أطرافاً خارجية، من بينها جهات في سلطات بورتسودان الموالية للجيش، كانت تقف وراء تأجيج النزاع واستغلاله لتصفية حسابات مع قادة محليين لا يوالونها. هذا المثال يظهر كيف أن الإدارات الأهلية لم تعد مؤسسات محايدة تعمل لحساب مجتمعاتها، بل أصبحت ساحة لاستقطابات سياسية وعسكرية خارجية تستخدم الخلافات المحلية لتحقيق أهدافها البعيدة، على حساب دماء الأبرياء واستقرار المجتمعات.
استغلال النخب الصفوية للإدارات الأهلية لم يقتصر على الصراع العسكري المباشر، بل امتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. ففي ظل الانهيار الكبير للدولة والمؤسسات الرسمية، أصبحت الإدارات الأهلية تتحكم في توزيع المساعدات الإنسانية والإغاثة، ما جعلها أداة فعالة لكسب الولاءات وترسيخ النفوذ. كثير من المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع الإدارات الأهلية كقنوات وحيدة للوصول إلى المجتمعات المحتاجة، دون أن تكون لديها القدرة على مراقبة كيفية توزيع هذه المساعدات أو ضمان وصولها إلى مستحقيها دون تمييز أو ابتزاز. هذا الوضع أعطى الإدارات الأهلية المتوافقة مع أطراف النزاع قدرة هائلة على توظيف المساعدات كأداة سياسية، حيث يتم توجيهها لمناطق بعينها دون غيرها، أو ربطها بشروط ولاء سياسي، مما يعمق الانقسامات المجتمعية ويجعل المجتمعات المحلية رهينة لولاءاتها لهذا الطرف أو ذاك.
استغلال ضعف المكونات الاجتماعية كان أحد أبرز مظاهر انحراف الإدارات الأهلية. فالمجتمعات السودانية، وخاصة في المناطق المهمشة كدارفور وجبال النوبة وشرق السودان، تعاني من تراكمات طويلة من التهميش والإقصاء والتهميش التنموي، ما جعلها هشة وضعيفة وقابلة للاختراق بسهولة من قبل النخب المتصارعة. فقد اعتمدت النخب الحاكمة على سياسة فرق تسد، حيث تم توظيف التنوع العرقي والثقافي الكبير في السودان لصالحها، فتم استقطاب بعض المكونات الاجتماعية على حساب أخرى، وإثارة النزاعات حول الموارد المحدودة كالأرض والماء والمراعي، وتغذية خطابات الكراهية والعنصرية التي تعمق الانقسامات. الإدارات الأهلية التي كان من المفترض أن تكون حصناً ضد هذه الممارسات تحولت إلى إحدى أدواتها الرئيسية، حيث أصبح شيوخ القبائل والزعماء التقليديون جزءاً من اللعبة السياسية، يتبادلون الولاءات مقابل الحصول على امتيازات أو حماية نفوذهم المهدد.
إن انحراف الإدارات الأهلية لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة لتفاعل عوامل متعددة على مدى عقود. من أبرز هذه العوامل سياسات التهميش المنهجي التي مارستها الحكومات المركزية المتعاقبة تجاه الأقاليم، حيث تم حرمان هذه المناطق من التنمية والخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية، ما جعلها تعتمد بشكل متزايد على الهياكل التقليدية في تلبية احتياجاتها الأساسية. هذا الاعتماد جعل الإدارات الأهلية تزداد قوة ونفوذاً، لكن دون أن تواكب ذلك تطورات في آليات عملها أو قدرتها على التعامل مع تعقيدات العصر الحديث، فظلت تعمل وفق أنظمة قبلية متصلبة لا تستوعب التنوع الاجتماعي الجديد ولا قيم المواطنة والحقوق المتساوية. كما أن غياب الدولة عن أدوارها الأساسية في توفير الأمن والعدالة والخدمات خلق فراغاً ملأت الإدارات الأهلية جزءاً منه، لكنها لم تكن قادرة على تعويض غياب الدولة كلياً، ما جعلها عاجزة عن حماية المجتمعات من الاستغلال والتوظيف السياسي.
تسييس الهوية والدين كان عاملاً آخر في انحراف الإدارات الأهلية. فقد عمل نظام الإنقاذ لثلاثة عقود على صياغة هوية سودانية ضيقة قائمة على أسس عنصرية ودينية، مستبعداً بذلك تنوع السودان الثقافي والديني الكبير. هذا التسييس جعل الإدارات الأهلية إما جزءاً من هذه الهوية الضيقة إن كانت تتوافق معها، أو هدفاً للتهميش والإقصاء إن كانت مختلفة عنها. في دارفور، تم تصنيف المجتمعات إلى عربية وأفريقية، وتم تحميل هذا التصنيف دلالات سياسية واقتصادية عميقة، حيث ارتبطت العروبة بالسلطة والثروة والامتيازات، بينما ارتبطت الإفريقية بالتهميش والفقر والاضطهاد. الإدارات الأهلية لم تقف موقف المتفرج من هذه العملية، بل كانت طرفاً فاعلاً فيها، حيث تم استخدامها لتكريس هذه التصنيفات وإضفاء الشرعية عليها، ما جعل المجتمعات تنقسم على نفسها وفق هويات لا تعكس بالضرورة واقعها التاريخي أو مصالحها الحقيقية.
استغلال الإدارات الأهلية لحفظ الامتيازات السلطوية كان الوجه الآخر لعملية الانحراف. فالنخب المتصارعة على السلطة في السودان، سواء في فترات الحكم العسكري أو الفترات الديمقراطية القصيرة، استخدمت الإدارات الأهلية كأداة لترسيخ نفوذها وحماية امتيازاتها. في ظل غياب مؤسسات ديمقراطية قوية وقضاء مستقل ومجتمع مدني فاعل، أصبحت الإدارات الأهلية قنوات غير رسمية لتمرير السياسات وضمان الولاءات. فمثلاً، عندما كانت الحكومة المركزية ترغب في تمرير سياسة مثيرة للجدل كتسليم أراضٍ للاستثمار الأجنبي أو تعديل حدود إدارية أو تجنيد شباب للميليشيات، كانت تلجأ إلى الإدارات الأهلية للحصول على موافقة مجتمعية تبدو طوعية، بينما هي في الحقيقة تأتي تحت ضغوط وابتزاز سياسي. الإدارات الأهلية التي تتعاون مع السلطة تحصل على امتيازات اقتصادية وسلطوية، بينما الإدارات المناوئة تتعرض للحصار والعزل والتهميش، بل أحياناً للتصفية الجسدية كما حدث لكثير من زعماء قبائل الفور والمساليت والزغاوة في دارفور.
ظاهرة منصات الكراهية ووسائل التواصل الاجتماعي أضافت بعداً جديداً لانحراف الإدارات الأهلية. ففي الحرب الحالية، تحولت منصات فيسبوك وتويتر وتليجرام إلى ساحات مفتوحة للتحريض على الكراهية والعنف، حيث تستخدم حسابات تحمل أسماء أو رموزاً قبلية لنشر خطابات تحرض على الإبادة والتطهير العرقي ضد مجتمعات بأكملها. هذه المنصات لم تعد مجرد وسائل للتعبير عن الرأي، بل أصبحت جزءاً من آلية الحرب، حيث يتم استخدامها للتأثير على الإدارات الأهلية ودفعها لمواقف متطرفة، أو لتوثيق الانتهاكات وترويع الضحايا، أو لتجنيد مقاتلين جدد. الإدارات الأهلية التي كانت تقوم بدور الوساطة والتهدئة وجدت نفسها أمام تحدٍ جديد يتمثل في مواجهة خطابات الكراهية التي تنتشر بسرعة وتعمق الانقسامات، دون أن تكون لديها القدرة أو الأدوات اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة.
المرأة السودانية كانت الضحية الأكبر لانحراف الإدارات الأهلية. ففي الثقافة السودانية التقليدية، كانت المرأة تحظى بحماية مجتمعية واسعة، وكانت الإدارات الأهلية تعتبر انتهاك حرمتها جريمة كبرى تستوجب عقوبات قاسية. لكن مع تحول هذه الإدارات إلى أدوات في الصراع، أصبحت المرأة هدفاً ممنهجاً، حيث يستخدم الاغتصاب والعنف الجنسي كسلاح حرب لترويع المجتمعات وإذلالها وتدمير تماسكها الاجتماعي. الآلاف من النساء والفتيات في دارفور تعرضن للاغتصاب على يد الميليشيات المسلحة، وكثير من هذه الجرائم ارتكبت بحضور أو بمباركة من قيادات الإدارات الأهلية التي تحالفت مع الميليشيات. المأساة أن ضحايا هذه الجرائم لا يجدن ملاذاً آمناً، فالإدارات الأهلية التي كان من المفترض أن تحميهن أصبحت إما جزءاً من دائرة العنف، أو عاجزة عن توفير الحماية في ظل انهيار الدولة وغیاب العدالة.
رغم هذا المشهد المأساوي، هناك بارقة أمل متمثلة في جهود استعادة دور الإدارات الأهلية الأصيل. ففي خضم الحرب، برزت مبادرات مجتمعية تحاول إحياء نظم الجودية والوساطة المجتمعية كأدوات لوقف النزاعات المحلية وإغاثة المتضررين. غرف الاستجابة الطارئة التي يقودها شباب وشابات في مختلف أنحاء السودان تمثل نموذجاً جديداً للتنظيم المجتمعي يعتمد على قيم التضامن والتعاون ويستفيد من وسائل الاتصال الحديثة، بعيداً عن قبضة الإدارات الأهلية التقليدية التي انحرفت عن دورها. هذه الغرف لا تقدم مساعدات إنسانية فقط، بل تساهم في إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المختلفة، وتعمل على توثيق الانتهاكات والضغط لتحقيق العدالة، وتمثل نموذجاً للمواطنة الجامعة التي تتجاوز الولاءات الضيقة.
كما أن هناك جهوداً متزايدة من قِبل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب لإصلاح الإدارات الأهلية وإعادة هيكلتها على أسس ديمقراطية تواكب متغيرات العصر. هذه الجهود تدعو إلى فصل الإدارات الأهلية عن الصراعات السياسية، وضمان تمثيل جميع المكونات الاجتماعية فيها بما في ذلك النساء والشباب والمهمشين، وتطوير آليات عملها لتتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتعزيز دورها في الوساطة وحل النزاعات بعيداً عن أي تدخلات خارجية. نجاح هذه الجهود مرهون بوقف الحرب أولا، ثم ببناء نظام سياسي ديمقراطي يضمن الحكم الرشيد والعدالة والمساواة لجميع السودانيين، ويكرس مبدأ المواطنة كأساس للانتماء والولاء، ويضع حداً لتوظيف الهوية كأداة سياسية.
في الختام، يمكن القول إن انحراف الإدارات الأهلية عن دورها الأساسي هو انعكاس لأزمة أعمق في المشروع الوطني السوداني. فطالما ظلت الدولة عاجزة عن بناء مؤسساتها على أسس المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، وطالما ظلت النخب المتصارعة تستخدم التنوع الاجتماعي كسلاح في صراعاتها، فإن الإدارات الأهلية ستبقى عرضة للاستغلال والتوظيف. إصلاح الإدارات الأهلية ليس مجرد مسألة تقنية أو إدارية، بل هو جزء من مشروع أكبر لإعادة بناء السودان على أسس جديدة، تقوم على الاعتراف بالتنوع كثراء وليس كتهديد، وتضمن حقوق جميع السودانيين بغض النظر عن هوياتهم العرقية أو الثقافية أو الدينية، وتؤسس لسلام عادل وشامل يضع حداً لمعاناة استمرت لعقود. إن استعادة الإدارات الأهلية لدورها الطبيعي كحاضن للتعايش السلمي وحل النزاعات هو أحد المداخل الأساسية لتحقيق هذا المشروع، وهو مسؤولية تقع على عاتق جميع السودانيين، نخباً وقواعد، رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، ليرتقوا إلى مستوى التحدي ويكتبوا صفحة جديدة في تاريخ بلادهم تتجاوز مآسي الماضي وتفتح آفاقاً لمستقبل يسوده السلام والكرامة والعدالة للجميع.
بتاريخ 20مارس2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x