استرداد الدولة وتحقيق العدالة الناجزة لضحايا الحرب في السودان عامل وقت

بقلم: د.كمال عبدابعزيز
“عيد سعيد، ومبارك من يرسم الفرح، ويبقي الامل في وجوه ضحايا الحروب في السودان”
إن استرداد الدولة وتحقيق العدالة الناجزة في السودان ليس مجرد نقاش قانوني أو إداري، بل هو في جوهره سؤال وجودي يتعلق بطبيعة الدولة، ومعنى السلطة والحكم العادل، وحدود الشرعية. فالعدالة الناجزة بمعناها الذي يشير إلى تحقيق الحقوق فورًا دون تأجيل أو تعطيل، غابت طويلًا في السودان إن لم يكن غير موجود اطلاقاً عندى فقهاء القانون والسلطة الصفوية الكتشنرية الاستعمارية في السودان الحديث، لا بسبب نقص النصوص القانونية، بل نتيجة اختلال عميق في بنية الحكم، حيث تداخلت السياسة بالقضاء، وتحوّلت الدولة من ضامن للحقوق إلى طرف في النزاع عليها.
لقد شهد السودان، خاصة منذ استقلاله، سلسلة من الانقطاعات السياسية والانقلابات العسكرية، مما أضعف مؤسسات الدولة وأفقد القضاء استقلاليته. فبدل أن يكون القضاء أداة لإنصاف المظلوم، أصبح في كثير من الأحيان خاضعًا لتوازنات السلطة. وقد تجلى هذا الغياب بشكل واضح خلال فترات النزاعات المسلحة، خصوصًا في دارفور، وما تبعها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، دون مساءلة حقيقية أو إنصاف ناجز للضحايا. كما أن أحداث ثورة ديسمبر 2018، رغم ما حملته من آمال، لم تكتمل مساراتها في تحقيق العدالة، خاصة في ما يتعلق بمحاسبة المسؤولين عن العنف.
إن غياب العدالة الناجزة في السودان لا يعني فقط تأخر إصدار الأحكام، بل يشير إلى غياب الإرادة السياسية لتحقيق العدالة أصلًا مثلما البشير وكل المجرمين حتى الان تحت حماية البرهان. فالقضايا الكبرى، مثل جرائم الحرب، والانتهاكات ضد المدنيين، والفساد المؤسسي، غالبًا ما تُرحّل أو تُطمس، إما بحجج الاستقرار السياسي أو عبر تسويات هشة لا تُنصف الضحايا. وهنا يظهر التناقض بين “السلام الشكلي” الديكوري المعروف في السودان و”العدالة الحقيقية”، حيث يُقدَّم الأول أحيانًا على حساب الثاني، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بدل إنهائه.
ومن منظور فلسفي، فإن العدالة الناجزة ليست فقط مطلبًا قانونيًا، بل هي شرط أساسي لقيام الدولة الأخلاقية. وكما يرى إيمانويل كانط، فإن غياب العدالة يعني انهيار القيمة الأخلاقية للدولة، حتى وإن استمرت مؤسساتها شكليًا. كما أن فكرة “الاعتراف” عند هيغل تبيّن أن إنصاف الضحايا لا يكتمل إلا بالاعتراف بآلامهم وحقوقهم، وهو ما لم يتحقق بصورة كافية في السياق السوداني.
إن استرداد الدولة وتحقيق العدالة الناجزة في السودان يتطلب أولًا إعادة بناء استقلال القضاء وهذا ما يجتهد فيه السلطة المدنية بالاراضي المحررة لحركة تحرير السودان الان، بحيث يكون بمنأى عن التدخلات السياسية والعسكرية. كما يستدعي إنشاء آليات فعالة للعدالة الانتقالية، تشمل لجان الحقيقة والمصالحة، والمحاكمات العادلة، وجبر الضرر للضحايا. ولا يمكن تحقيق ذلك دون إشراك المجتمع المدني، وضمان حرية الإعلام، وتعزيز ثقافة المساءلة. إضافة إلى ذلك، فإن العدالة الناجزة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإصلاح الأجهزة الأمنية، التي ظلت لعقود تمارس سلطات واسعة دون رقابة حقيقية. فبدون إخضاع هذه الأجهزة للقانون، ستظل العدالة منقوصة، وسيبقى الإفلات من العقاب هو القاعدة. كما أن تحقيق العدالة يتطلب معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للصراع، لأن الفقر والاقصاء غالبًا ما يكونان بيئة خصبة لانتهاك الحقوق.
وعليه، فإن استرداد العدالة الناجزة او تحقيقها في السودان ليس مسارًا تقنيًا فحسب، بل هو مشروع وطني شامل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فالعدالة ليست حاجة ثانوية يمكن تأجيله، بل هي شرط للاستقرار الحقيقي. وكل تأخير في تحقيقها لا يعني فقط إطالة أمد الظلم، بل يهدد مستقبل الدولة نفسها، لأن الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تنسى الظلم.
19 مارس 2026م



