الأزمة السياسية في السودان من منظور التحليل النفسي: لماذا يفشل السودانيون في الاتفاق رغم عمق المعاناة الوطنية؟

بقلم: دكتور/ كمال عبد العزيز
يُعدّ السودان من أكثر الدول التي شهدت اضطرابات سياسية وصراعات داخلية متكررة رغم تشارك شعبه في الألم والمعاناة. تسعى هذه الورقة إلى تفسير هذا العجز عن الاتفاق الوطني من منظور التحليل النفسي الاجتماعي، بوصف الأزمة السياسية انعكاسًا لأزمة نفسية جمعية متجذرة في الوعي واللاوعي السوداني. ويُظهر التحليل أن جذور الانقسام تكمن في الجرح الجمعي، وتضخم الأنا القيادية، وتمزق الهوية، وضعف النضج النفسي الجماعي.
أولًا.الجرح الجمعي وفقدان الثقة، منذ عقود طويلة، عاش السودان في دوامة من الحروب والانقلابات والخيبات السياسية، ما كوَّن ما يمكن تسميته بـ الصدمة الجمعية. هذه الصدمة لم تُعالج على المستوى النفسي والاجتماعي، بل تراكمت في اللاوعي الوطني في شكل شك وعدوان مكبوت وخوف من الخيانة. وبناءً على ذلك، حين تُطرح مبادرات سياسية أو اتفاقات، لا يتعامل الفاعلون معها بعقلية المشاركة، بل بعقلية الدفاع والخوف. إن فقدان الثقة الجماعية جعل من الاتفاق الوطني شبه مستحيل، لأن كل طرف يرى الآخر مرآة تهديد لا شريكًا في الوجود. إنها حالة من اللاوعي الدفاعي الجمعي، الذي يحول دون بناء روابط وطنية مستقرة.
ثانيًا. تضخم الأنا وضعف النضج القيادي، تعاني الصفوى او النخب السياسية في السودان من تضخم الأنا ونقص النضج العاطفي والسياسي. فبدلًا من إدارة الخلاف في إطار التعدد، يتحول الخلاف إلى ساحة صراع على الاعتراف والهيمنة. يرى التحليل النفسي أن هذا النمط من السلوك السياسي ناتج عن حاجة نرجسية غير مشبعة، يسعى من خلالها القائد لإثبات ذاته أكثر من تحقيق مصلحة وطنه هو ما افشل امال الثورات السودانية. إن غياب الوعي الذاتي والانفعالي لدى القادة يؤدي إلى انقسامات متكررة، لأن الحوار يتحول من نقاش حول الفكرة إلى تنازع حول “من الأحق بالقيادة”. بهذا المعنى، يمكن القول إن الانقسام السوداني ليس سياسيًا فحسب، بل هو انقسام نفسي تغذيه نرجسية غير معالجة.
ثالثًا. الهوية الممزقة والبحث عن الانتماء، من أبرز سمات الأزمة السودانية أن الشعب يعيش حالة تمزق هوياتي بين الانتماء العربي والإفريقي، بين الدين والتعدد الثقافي، وبين العصبية القبلية والمواطنة الحديثة المتساوية. هذا التمزق خلق توترًا نفسيًا جمعيًا جعل من الصعب تكوين هوية وطنية جامعة. فعوضًا عن التلاقي حول “سودانية جامعة”، لجأت الجماعات إلى هويات فرعية تُستخدم كآلية دفاع نفسي ضد الإقصاء. ووفقًا لعلم النفس الثقافي، فإن غياب هوية واضحة يولّد حالة من القلق الوجودي الجماعي، تدفع الأفراد إلى التمترس وراء قبائلهم وأقاليمهم، بدلًا من بناء وطن مشترك تسود فيها حكم سيادة القانون.
رابعًا. كبت العاطفة الجماعية وانفجارها الدوري، يُظهر التاريخ السياسي السوداني نمطًا دوريًا من الانفجار والانقلاب، وهو انعكاس مباشر لما يمكن تسميته بـ الكبت الجمعي للعواطف الوطنية. فلم تُتح للشعب فرص حقيقية للتعبير عن الغضب، ولا للحزن الجماعي أن يجد مخرجًا صحيًا. هذا الكبت العاطفي المتوارث جعل الوجدان الوطني هشًّا، سريع الانفجار أمام أي خلاف سياسي. وبالتالي، فإن عدم الاتفاق ليس مجرد فشل في التفاوض، بل عجز نفسي عن التعامل الناضج مع العاطفة الجماعية التي تراكمت من الألم والإحباط.
خامسًا. الاعتماد النفسي على “المنقذ”، تتجلى في البنية النفسية السودانية ما يُعرف في التحليل النفسي بـ نمط الاعتماد الطفولي، أي انتظار “الأب الرمز” أو “الزعيم المخلّص”. هذه النزعة تُفقد الجماعة مسؤوليتها عن مصيرها، وتُنتج دورة متكررة من خيبات الأمل مع كل زعيم جديد. إن هذا الاعتماد النفسي على القائد الواحد يعكس عجزًا عن النضج السياسي، ويمنع تكوين مؤسسات ديمقراطية ناضجة، لأن الجماهير لا تزال تتعامل بعقلية “التسليم للأب” لا المشاركة مع الشريك.
سادسًا. غياب النضج الجمعي، يحتاج أي اتفاق وطني إلى ما يسميه علماء النفس بـ النضج الجمعي (Collective Maturity)، وهو القدرة على إدارة الخلاف دون تدمير العلاقة. غير أن التجربة السودانية أثبتت أن الخلاف ما زال يُنظر إليه كعداء، لا كاختلاف مشروع. ويعود ذلك إلى أن المجتمع تعلّم من خلال الألم لا من خلال الحوار، فبات يُمارس الصراع بدلًا من إدارة التنوع. وهنا تظهر الحاجة إلى تربية سياسية جديدة تُعلّم الأفراد التفكير التعاوني بدل التفكير العدواني، وتربط الانتماء الوطني بالمسؤولية الأخلاقية لا بالعصبية الضيقة.
سابعًا. الطريق نحو التعافي الوطني، لا يمكن للسودان أن يحقق اتفاقًا سياسيًا مستقرًا من دون معالجة الجروح النفسية الجمعية.
ويتم ذلك عبر:
- المصالحة مع الذات والتاريخ، والاعتراف الجماعي بالأخطاء دون انتقام.
- إصلاح التعليم السياسي والثقافي لزرع قيم التعدد والتسامح.
- إعداد قيادات ناضجة نفسيًا تتقن إدارة الانفعالات والاختلاف.
- بناء الثقة تدريجيًا عبر مشاريع مجتمعية مشتركة قبل الاتفاقات الكبرى.
بهذه الخطوات يبدأ السودان مسار “العلاج النفسي الجماعي” الذي يسبق أي شفاء سياسي حقيقي.
إن فشل السودانيين في الاتفاق ليس عجزًا في الفكر أو في الموارد، بل عجز نفسي نابع من تكرار الجرح دون معالجة.
فكل أزمة سياسية هي انعكاس لاضطراب نفسي جمعي لم يُواجه بعد.
إن طريق الخلاص يبدأ من تحليل الذات الوطنية والاعتراف بما في داخلها من ألم، ثم الانتقال من الانقسام الدفاعي إلى المشاركة الناضجة.
بهذا فقط، يمكن للسودان أن يتحول من وطن مجروح إلى وطن متصالح مع ذاته، ومن شعب ممزق إلى شعب يختار الوعي بدل التكرار.
المراجع
إريك فروم، الهروب من الحرية.
كارين هورني، الشخصية العصابية في عصرنا.
سيغموند فرويد، علم نفس الجماهير وتحليل الأنا.
مصطفى حجازي، الإنسان المهدور.
فرانز فانون، معذبو الأرض.
عبد الله علي إبراهيم، الثقافة والديمقراطية في السودان.
6 نوفمبر 2025م


