مقالات الرأي

الإبادة الصامتة: الإعلام الرقمي شريان حرب السودان الغائب عن الضمير العالمي


بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م مجرد صراع على السلطة بين جيشين، ولا هي امتداد طبيعي للنزاعات الأهلية التي عرفها السودان لعقود. لقد كانت، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، أول حرب ما بعد حداثة في شرق إفريقيا، حيث أُزيح الستار عن سلاح لم يسبق له مثيل من حيث الفتك والتغلغل والقدرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي: الإعلام الرقمي. ففي الوقت الذي كانت فيه الطائرات بدون طيار تقصف الأحياء السكنية، كانت خوارزميات فيسبوك وتيك توك وتويتر وتليجرام تقصف الروايات، وتمزق النسيج الاجتماعي، وتُعدِم أي فرصة لقيام حقيقة واحدة يمكن البناء عليها مستقبلاً. لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات للتواصل والتنظيم المدني إلى ساحات إبادة رمزية موازية، بل وأكثر تأثيراً في مسار الحرب من المعارك الميدانية ذاتها. فبينما كانت الجثث تتراكم في شوارع الخرطوم ومدني ونيالا والفاشر، كانت جثث الحقيقة والكرامة الإنسانية تُدفع رقمياً في صمت تام من المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والراصدين المستقلين. وهذا المقال هو محاولة لتوثيق هذه الجريمة الصامتة، ولتفكيك آليات عمل هذا السلاح القاتل، وتحديد مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي التي آوت قتلة الإعلام الرقمي تحت مظلة حرية التعبير، بينما كانت تشعل فتيل إبادة جماعية ممنهجة.
إن أي مقاربة موضوعية لحرب السودان يجب أن تبدأ من اعتراف جريء: الحرب لم تبدأ في الخامس عشر من أبريل، بل بدأت قبل شهور وسنوات في غرف مغلقة على تطبيقات واتساب وتليجرام، وفي مجموعات فيسبوك الخاصة، وفي حسابات تيك توك التي كانت تروّج لخطاب الكراهية بحماسة دينية وقبلية. لقد كانت المنصات الرقمية هي المشتل الذي نبتت فيه بذور الحرب، ثم أصبحت بعد اندلاعها الوقود الذي يغذي نيرانها. المفارقة المأساوية أن نفس المنصات التي كانت قبل الحرب أدوات للثورة السلمية التي أطاحت بنظام عمر البشير في ٢٠١٩م، تحولت إلى سكاكين حادة في ظهور الثوار أنفسهم. فخلال مسار التحول الديمقراطي القصير، كانت وسائل الإعلام الرقمية مساحة للتفاؤل ولتنسيق الاحتجاجات السلمية، لكن مع فشل العملية السياسية واشتعال الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، انقلبت هذه الأدوات رأساً على عقب وأصبحت هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتدمير أي جهد سلام.
لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون أول فيديو ينتشر بشكل واسع في اليوم الأول للحرب هو مشهد لجنود من أحد الطرفين وهم يعدمون أسرى من الطرف الآخر بطريقة وحشية، ثم يليه فيديو آخر يظهر اعترافات منتزعة تحت التعذيب. هذه الفيديوهات لم تكن مجرد تسريبات عفوية، بل كانت جزءاً من استراتيجية إعلامية ممنهجة تهدف إلى أمركة الصراع وتحويله من نزاع سياسي حول الترتيبات الأمنية إلى حرب وجودية بين الخير والشر، بين المؤمن والكافر، بين الأصيل والدخيل. وقد أثبتت الأيام التالية أن الطرفين، الجيش والدعم السريع، كانا قد أعدا مسبقاً فرقاً إعلامية متكاملة تعمل على مدار الساعة لإنتاج محتوى رقمي احترافي، يشمل فيديوهات موثقة بأسماء المواقع الجغرافية، وصوراً عالية الدقة، ومقاطع مصورة بطائرات مسيرة، وحتى رسوماً بيانية وتصاميم جرافيكية معقدة. هذه الفرق لم تكن مجرد مجموعات من الشباب المتحمسين، بل كانت تضم مصورين محترفين، ومونتيرين، وخبراء في تحسين محركات البحث، ومتخصصين في استهداف الخوارزميات، وكثير منهم تلقوا تدريبات في دول إقليمية ودولية.
أما الشعب السوداني، الذي كان يعيش على وقع هذه الحملة الإعلامية المزدوجة، فقد وجد نفسه ممزقاً بين حقيقتين متناقضتين تماماً. فبينما يظهر فيديو منسوب للجيش أن قوات الدعم السريع ترتكب مجازر مروعة في حي ثالث، يظهر فيديو آخر منسوب للدعم السريع أن الجيش هو من يقصف المستشفيات والمدارس. ومع تضخم كمية المعلومات بشكل لا يحتمل، بدأ المواطن العادي يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، وبدأ يلجأ غريزياً إلى الانحياز للرواية التي تتوافق مع هويته القبلية أو الجهوية أو الدينية. وهنا يقع أخطر انتهاك لحقوق الإنسان في زمن الإعلام الرقمي: ليس فقط قتل الأجساد، بل قتل القدرة على الحكم على الواقع. إن إبادة العقل النقدي الجماعي هي الجريمة التي تسبق كل الجرائم وتجعلها ممكنة. عندما يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، يصبح العنف هو اللغة الوحيدة المتبقية للتواصل.
وبمرور الأشهر، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى متاحف مروعة للعنف. حسابات على تيك توك مخصصة بالكامل لنشر مقاطع إعدام تصل إلى مئات الآلاف من المشاهدات دون أي تدخل من إدارة المنصة. مجموعات على تليجرام تضم عشرات الآلاف من الأعضاء يتبادلون بفخر صوراً لجثث مقاتلي الطرف الآخر، مع تعليقات تحرض على المزيد من القتل. هاشتاغات على تويتر يتم الترويج لها بشكل مدفوع لتصدر قائمة المواضيع الرائجة، رغم أنها تحمل محتوى يحض صراحة على التطهير العرقي. في مدينة الجنينة بغرب دارفور وحدها، استخدمت المليشيات المسلحة تطبيق واتساب لتنسيق هجماتها وتحديد أهدافها، ثم استخدمت فيسبوك لنشر التبريرات والدعاية، واستخدمت تيك توك للاحتفال بنجاح المجازر. وكانت النتيجة أن مئات الآلاف فروا إلى تشاد بينما تُركت المدينة بأكملها مدمرة، وأصبح أي مسلم غير عربي فيها هدفاً مشروعاً وفقاً للروايات المتداولة رقمياً.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً، والذي هو جوهر هذا المقال: أين كانت منصات التواصل الاجتماعي من كل هذا؟ أين كانت فيسبوك التي تدعي أنها تحارب خطاب الكراهية وتزيل المحتوى العنيف؟ أين كانت تيك توك التي تقول إن خوارزمياتها تمنع انتشار العنف؟ أين كانت تويتر الجديدة تحت إدارة إيلون ماسك التي ترفع شعار حرية التعبير المطلقة؟ والإجابة ببساطة: كانت المنصات موجودة، لكنها اختارت ألا ترى، أو رأت لكنها تظاهرت بعدم الرؤية، أو استفادت من الفوضى لزيادة أرباحها الإعلانية. إن المسؤولية القانونية والأخلاقية لمنصات التواصل الاجتماعي في حرب السودان تتجاوز أي تبرير تقني أو إداري. فهذه المنصات ليست مجرد وسطاء سلبيين ينقلون المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، بل هي مهندسون نشطون للسلوك البشري من خلال خوارزمياتها التي تصممها، وهي تجني أرباحاً هائلة من الإعلانات التي تظهر بجوار هذا المحتوى العنيف، وهي تمتلك أدوات وتقنيات متطورة لتحديد المحتوى الخطير، لكنها لا تستخدمها إلا عندما يتعلق الأمر بأسواقها الرئيسية في الغرب.
لنتأمل هذه الحقيقة الصادمة: خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، تم حذف أو تعطيل آلاف الحسابات الناشطة في مجال حقوق الإنسان والصحافة المستقلة في السودان، بحجة انتهاك “المعايير المجتمعية”، بينما بقيت حسابات قادة المليشيات والعناصر المسؤولة مباشرة عن جرائم الحرب منشورة وتنشر يومياً محتوى تحريضياً عنيفاً. ليس هذا فقط، بل إن نظام الإبلاغ عن المحتوى الضار في هذه المنصات، والمصمم أصلاً لخدمة المستخدمين الناطقين بالإنجليزية، يضع السودانيين في متاهة بيروقراطية لا نهاية لها، حيث كل محاولة للإبلاغ عن فيديو إعدام أو تحريض على قتل تقابلها رسالة آلية “أن المحتوى لا ينتهك المعايير”. وفي الحالات النادرة التي يتم فيها حذف محتوى عنيف، فإنه يعود للظهور بعد دقائق من حساب آخر يحمل نفس المادة، وهكذا في لعبة القط والفأر التي تدر أرباحاً طائلة على المنصات من زيادة التفاعل ونشر الإعلانات.
بل أكثر من ذلك، فإن خوارزميات التوصية في هذه المنصات مصممة بطبيعتها لتفضيل المحتوى الصادم والمحفز عاطفياً والمستقطب، لأن هذا هو النوع من المحتوى الذي يطيل مدة المكوث على المنصة ويزيد من التفاعل. وهذا يعني أن المنصات لا تفشل فقط في وقف انتشار خطاب الكراهية، بل إنها تعززه وتضخمه وتوصي به لمستخدمين جدد. عندما يشاهد شخص فيديو إعدام لفترة طويلة، تقترح عليه الخوارزمية على الفور فيديو إعدام آخر مشابهاً، ثم فيديو تحريضياً، ثم فيديو يعمم الصورة النمطية على مجموعة عرقية بأكملها. خلال أيام قليلة، يتحول مستخدم عادي كان يتابع محتوى طريفاً أو تعليمياً إلى مستهلك شره لخطاب الكراهية، بل وربما مشارك وناشر له. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي وصف دقيق لكيفية عمل هذه المنصات، وهو نفس الآلية التي أدت إلى الإبادة الجماعية لمسلمي الروهينجا في ميانمار، ونفس الآلية التي ساهمت في حرب إثيوبيا في تيغراي، ونفس الآلية التي تكرر الآن في السودان بتفاصيل أكثر بشاعة.
وهنا تبرز مسؤولية أخرى لهذه المنصات، وهي مسؤوليتها تجاه الفضاء العام والذاكرة التاريخية. عندما تسمح هذه المنصات بنشر كم هائل من المعلومات المضللة والأخبار المزيفة والمحتوى العنيف، فإنها في الحقيقة تعيد كتابة تاريخ السودان بشكل كامل. بعد خمس أو عشر سنوات من الآن، عندما يحاول باحث أو مؤرخ أو قاضٍ في محكمة جنائية دولية فهم ما حدث في حرب أبريل، سيجد نفسه أمام طوفان من الروايات المتضاربة، معظمها مفبرك أو محرف أو مقتطع من سياقه. لن تكون هناك ذاكرة رقمية موثوقة، بل أرشيف ضخم من الأكاذيب. وهذا هو أخطر أنواع الإبادة، إبادة الذاكرة وإبادة إمكانية الوصول إلى الحقيقة في المستقبل. منصات التواصل الاجتماعي، بسياساتها المتراخية في السودان مقابل صرامتها في الغرب، تساهم بشكل مباشر في هذا المحو التاريخي. إنها تجعل من المستحيل تقريباً توثيق الانتهاكات بشكل موثوق، وتجعل أي محاكمة عادلة لمرتكبي الجرائم مستحيلة، وتجعل المصالحة المجتمعية حلماً بعيد المنال.
أما المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والراصدين المستقلين، فإن صمتهم المخزي أمام هذه الجريمة الرقمية هو الفصل الأكثر قتامة في هذه المأساة. كيف يمكن لمنظمة مثل “هيومن رايتس ووتش” أن تصدر تقارير مطولة عن انتهاكات حقوق الإنسان في السودان دون أن تخصص فصلاً واحداً لدور الإعلام الرقمي كسلاح حرب؟ كيف يمكن لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان (يونيتامس) أن ترفع تقاريرها إلى مجلس الأمن عن “انتهاكات القانون الدولي الإنساني” دون أن تذكر ولو مرة واحدة كيف تستخدم المليشيات تطبيقات المراسلة للتنسيق لجرائمها؟ كيف يمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة أن تتبنى قرارات إدانة للحرب دون أن تتضمن بنداً واحداً عن مسؤولية الشركات التكنولوجية العملاقة؟ هل لأن هذه المنظمات لا تفهم طبيعة الحرب الحديثة؟ أم لأنها جزء من نفس النظام الاقتصادي والسياسي الذي تخدمه عمالقة التكنولوجيا؟ أم لأن تمويل هذه المنظمات يأتي من نفس الدول التي تحتضن مقار هذه الشركات وتحميها قانونياً؟
الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن الإعلام الرقمي في حرب السودان لم يكن مجرد ظاهرة عابرة أو أداة ثانوية، بل كان هو الشريان الحقيقي للحرب، وهو ما يجعل هذه الحرب مختلفة جوهرياً عن أي حرب سابقة في تاريخ السودان. في حرب دارفور التي اندلعت عام ٢٠٠٣م، كانت المجازر تُرتكب ثم يأتي دور الإعلام التقليدي (التلفزيون والراديو والصحف) لينقل الخبر بتأخير أيام أو أسابيع، وكان هناك مجال للتدخل الدبلوماسي والإنساني قبل أن تستقر الرواية. أما في حرب أبريل، فإن الفجوة بين حدوث الجريمة وانتشارها رقمياً أصبحت صفراً. الجريمة تُرتكب، تُصور، تُحرر، تُنشر، وتُعلق عليها، وتُستخدم لتبرير الجريمة التالية، كل ذلك في أقل من ساعة. هذا التسارع المذهل يجعل أي جهد لوقف دوامة العنف شبه مستحيل، لأن الكراهية تتغذى على نفسها في حلقة مفرغة لا تتوقف. أكثر من ذلك، فإن الإعلام الرقمي أصبح الوسيلة الأساسية لتجنيد المقاتلين، وجمع التبرعات المالية، والتنسيق اللوجستي، وحتى تحديد الأهداف العسكرية. بمعنى آخر، لم يعد الإعلام الرقمي “يغطي” الحرب، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من آلية الحرب نفسها.
لقد تحول السودان إلى مختبر مفتوح لتجربة إنسانية بشعة: كيف تبدو الحرب عندما تكون أدواتها الرئيسية هي هواتف ذكية وخوارزميات وشبكات اجتماعية؟ والإجابة التي يقدمها السودانيين كل يوم بدمائهم هي أن هذه الأدوات ليست محايدة، وليست مجرد وسائط، بل هي أسلحة دمار شامل للعقل الجمعي. فبينما يموت الناس جوعاً وقنابل وإعدامات، يموت أيضاً أي أمل في وجود رواية واحدة للأحداث يمكن أن تكون أساساً لعدالة انتقالية أو مصالحة وطنية. الشعب السوداني بعد هذه الحرب لن يكون مجرد شعب يعاني من دمار مادي، بل شعب يعاني من انفصام معرفي حاد، حيث كل مجموعة قبلية أو سياسية تعيش في واقعها الافتراضي المنفصل، مع حقائقها الخاصة، وأبطالها الخارقين، وأشرارها الأسطوريين. وهذا هو أخطر إرث يمكن أن تتركه منصات التواصل الاجتماعي في أي بلد.
أما مسؤولية منظمات المجتمع المدني السودانية والدولية، فهي لا تقل خطورة. فالكثير من هذه المنظمات كانت سريعة في إصدار بيانات الإدانة للانتهاكات الجسدية: القصف العشوائي، اغتصاب النساء، تجنيد الأطفال، منع المساعدات الإنسانية. لكنها كانت بطيئة بشكل مريب، بل وغائبة تماماً، عن إصدار أي بيانات تُدين الحملات الإعلامية الرقمية الممنهجة التي حرضت على هذه الانتهاكات وبررتها ومجدتها. وكأن هذه المنظمات لا تزال تعيش في عصر ما قبل الإنترنت، حيث الحرب تكون فقط حيث تسقط القنابل، وليس حيث تُزرع بذور الكراهية في ملايين العقول. بعض هذه المنظمات بررت صمتها بعدم وجود آليات واضحة في القانون الدولي لملاحقة جرائم الإعلام الرقمي، أو بصعوبة توثيق هذه الجرائم تقنياً. لكن هذه الأعذار لا تبرر الصمت التام والتجاهل شبه الكامل. إذا كانت هذه المنظمات جادة في الدفاع عن حقوق الإنسان، فعليها أن تبدأ فوراً في تطوير أدواتها وآلياتها لرصد الانتهاكات الرقمية، وأن تضغط على الحكومات والمحاكم الدولية لتجريم التحريض الرقمي على الكراهية والعنف كجريمة حرب قائمة بذاتها.
لكن يبقى السؤال الأصعب: لماذا هذا الصمت تحديداً تجاه السودان؟ لماذا كانت منصات التواصل الاجتماعي سريعة في حظر حسابات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعد أحداث الكابيتول، لكنها تسمح ببقاء حسابات قادة المليشيات السودانية بشقيها الذين ينشرون يومياً محتوى يحض على القتل الجماعي؟ لماذا تتدخل “مجموعة مراقبة المحتوى” في فيسبوك خلال ساعات لإزالة فيديو عنيف من أوروبا، لكنها تترك فيديو إعدام سودانياً لأسابيع حتى يحقق ملايين المشاهدات؟ الإجابة الوحيدة الممكنة هي العنصرية الرقمية، حيث حياة الضحايا في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا لا تساوي حياة الضحايا في الغرب في خوارزميات هذه المنصات. إنها عنصرية نظامية متأصلة في طريقة تصميم هذه المنصات وتطبيق سياساتها. فهي تمتلك فرقاً ضخمة لمراجعة المحتوى باللغات الأوروبية، بينما تعتمد على الذكاء الاصطناعي العاجز لفهم السياقات المعقدة للغات مثل العربية. وهي تمتلك شراكات مع منظمات حقوق الإنسان الغربية لمراقبة الانتخابات في أمريكا وأوروبا، لكنها لا تمتلك أي آليات مماثلة للسودان أو تشاد أو مالي. ونتيجة لذلك، تحولت السودان إلى أرض لا قانون فيها ولا رقيب ولا ضمير رقمي.
أما بالنسبة للمحاكم والهيئات القضائية الدولية، فالقصة لا تقل إحباطاً. فالمحكمة الجنائية الدولية، التي لاحقت مسؤولي النظام السابق بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية في دارفور، لم تفتح أي تحقيق أو تحقيق تمهيدي حول دور الإعلام الرقمي في استمرار هذه الإبادة في الحرب الحالية. لا يوجد تحقيق حول كيف استخدمت قوات الدعم السريع أو قوات الجيش السوداني المنحط اخلاقيا فيديوهات التيك توك للتحريض على قتل المساليت في غرب دارفور. لا يوجد تحقيق حول كيف استخدم الجيش السوداني حسابات واتساب لتنسيق هجمات على أسواق مزدحمة بالمدنيين. لا يوجد تحقيق حول كيف مولت شركات إعلانات دولية خطاب الكراهية من خلال وضع إعلاناتها بجانب هذا المحتوى. إن غياب الملاحقة القانونية الدولية لا يعني أن الجرائم لم ترتكب، بل يعني أن النظام القضائي الدولي غير قادر أو غير راغب في مواكبة طبيعة الحرب في القرن الحادي والعشرين. وهذا الفشل القضائي هو بمثابة ضوء أخضر لكل مليشيا وكل جيش في العالم لاستخدام الإعلام الرقمي كسلاح دون خوف من العقاب.
على الصعيد المحلي السوداني، كانت محاولات مواجهة هذه الآلة الرقمية القاتلة ضعيفة ومتفرقة ومحطمة. المبادرات الأهلية لتقصي الحقائق (مثل منصة “تجمّع مدني” أو “مبادرة توثيق”) بذلت جهوداً بطولية لكنها غير متكافئة مع حجم الطوفان الرقمي. الصحفيين المستقلين الذين حاولوا تقديم تغطية متوازنة تعرضوا لتهديدات بالقتل عبر رسائل خاصة على فيسبوك وتويتر، ثم نُفذت التهديدات في الواقع المادي. النشطاء الذين حاولوا الإبلاغ عن المحتوى العنيف للمنصات وجدوا أنفسهم في صراع مع جدران آلية لا تستجيب. وبعض هؤلاء النشطاء تعرضت حساباتهم للاختراق أو الانتحال أو التشهير، وتحولوا هم أنفسهم إلى هدف للحملات الرقمية التي كانوا يحاولون مكافحتها. في هذه البيئة، يصبح الصمت مطبقاً، وتصبح الحقيقة ضحية، وتصبح الكراهية هي اللغة السائدة الوحيدة.
وسط هذه الكارثة، يبرز سؤال وجودي حول مستقبل السودان بعد الحرب. كيف يمكن لأي عملية سلام أن تنجح إذا كانت عقول السودانيين لا تزال تعيش في فقاعات رقمية معادية لبعضها البعض؟ كيف يمكن تحقيق عدالة انتقالية إذا كانت السجلات الرقمية للحرب مشوهة بشكل لا يمكن إصلاحه؟ كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات التي أمضت شهوراً وهي تتبادل الاتهامات بالخيانة والكفر والإجرام عبر فيسبوك وتويتر؟ الإجابة القاتمة هي أن الأمر قد يستغرق أجيالاً لإصلاح الضرر الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي في السودان في أقل من عام. هذا ليس مجرد رأي، بل هو استنتاج مبني على تجارب دول أخرى مرت بحروب مماثلة، مثل رواندا والبلقان وأيرلندا الشمالية. في كل هذه الحالات، كان الإعلام (تقليدياً أو رقمياً) أداة أساسية في تأجيج الكراهية، وكانت عملية التعافي تتطلب عقوداً من العمل على إصلاح الخطاب العام وإعادة بناء الثقة. لكن في حالة السودان، وبسبب الطبيعة الفيروسية واللحظية واللامركزية للإعلام الرقمي، فإن الضرر أعمق وأسرع انتشاراً وأصعب في الإصلاح.
الخلاصة التي لا مفر منها هي أن الإعلام الرقمي في حرب ١٥ أبريل كان أكثر من مجرد ناقل للأحداث، لقد كان فاعلاً رئيسياً في صنعها وتوجيهها وتوسيع نطاقها. وقد كان غيابه الصارخ عن بيانات الإدانة وسجلات الراصدين ومنظمات حقوق الإنسان بمثابة فشل جماعي وتواطؤ غير مقصود في كثير من الأحيان لكنه حقيقي في نتائجه. إن استمرار هذا الغياب يعني أن حرب السودان لن تنتهي حقاً عندما تتوقف الطلقات، بل ستستمر في الفضاء الرقمي لسنوات، وستتحول إلى أرض خصبة لحروب قادمة. وهذا هو السبب الذي يجعل مساءلة منصات التواصل الاجتماعي ليست مجرد مسألة تقنية أو قانونية، بل هي قضية وجودية لمستقبل السودان ومستقبل الحروب حول العالم.
وبناءً على ذلك، هناك توصيات عملية ملحة يجب أن تتبناها كافة الأطراف المعنية.
● أولاً، يجب على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تيك توك، تويتر، تليجرام، واتساب) أن تخصص فرقاً متخصصة للغتين العربية والمحلية السودانية، مع أنظمة إبلاغ سريعة وفعالة للمحتوى العنيف والتحريضي، وأن تضع آلية شفافة للإبلاغ عن إجراءاتها لمستخدميها في السودان.
● ثانياً، يجب على المجتمع الدولي (الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي) أن يصدر قرارات ملزمة تجرم استخدام الإعلام الرقمي كسلاح حرب، وتعتبر التحريض المنهجي عبر المنصات الرقمية جريمة حرب تستوجب الملاحقة أمام المحاكم الدولية.
● ثالثاً، يجب على منظمات حقوق الإنسان الدولية أن تطور بروتوكولات خاصة لرصد وتوثيق انتهاكات الإعلام الرقمي في النزاعات المسلحة، وأن تدرج هذه الانتهاكات بشكل صريح في تقاريرها الدورية.
● رابعاً، يجب على الحكومات الديمقراطية، وخاصة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على عمالقة التكنولوجيا لوقف ممارساتهم التمييزية في معالجة المحتوى العنيف في السودان ومناطق الصراع الأخرى.
● خامساً، يجب على المجتمع المدني السوداني أن يبني قدراته في مجال الرصد الرقمي والتوثيق القانوني، وأن يشكل شبكات إقليمية ودولية للضغط من أجل محاسبة منصات التواصل الاجتماعي.
في النهاية، لا يمكن فهم مأساة السودان اليوم دون فهم الدور المدمر للإعلام الرقمي. لقد قُتل السودانين مرتين: مرة بالرصاص والقنابل في شوارعهم، ومرة بالخوارزميات والتوصيات في هواتفهم. لكن القتل الثاني هو الأخطر، لأنه يقتل الذاكرة ويقتل الحقيقة ويقتل القدرة على البكاء على الموتى بحرية. إن إغفال المجتمع الدولي لهذه الحقيقة هو وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء.
وإلى أن يُعترف بهذه الحقيقة، وإلى أن تُحاسب منصات التواصل الاجتماعي على دورها في هذه الإبادة، وإلى أن تُدان الجرائم الرقمية كما تُدان الجرائم المادية، فإن السودان سيظل نموذجاً مرعباً لحرب جديدة بلا قواعد وبلا ضمير، حيث الأسلحة ليست فقط ما ينفجر، بل أيضاً ما ينتشر ويُعجب ويُشارك ويُعلق. وحينها فقط سيدرك العالم أن منصات التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد مرآة تعكس حرب السودان، بل كانت هي الحرب نفسها، بكل بشاعتها ودمويتها واستمراريتها.
بتاريخ 19مايو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x