مقالات الرأي

الإرهاق الثوري: عندما يدفع المناضلون السودانيون ثمناً باهظاً لتحقيق أحلامهم

بقلم: أ/ عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)

في زوايا مكاتب مؤقتة، خلف شاشات الحواسيب التي لا تنطفئ، وعلى مقاعد الاجتماعات التي تمتد لساعات متأخرة من الليل، يعيش جيل من الشباب السوداني حالةً فريدة من الإرهاق المتعدد الأبعاد. إنهم الثوار والمناضلين الذين حملوا على عاتقهم مهمة بناء وطن جديد، وطن يسوده القانون وتتساوى فيه المواطنة، في وقت تتشظى فيه القوى السياسية وتتباين رؤى منظمات المجتمع المدني. هؤلاء الشباب ليسوا مجرد نشطاء عابرين، بل هم عمود فقري لأمة تحاول النهوض من رماد عقود من التهميش والاستبداد، وهم يدفعون من أعمارهم وأحلامهم وصحتهم ثمناً لا يعرفه إلا من خاض غمار هذه المعركة الشاقة.
إن الحديث عن الإرهاق الذي يعيشه هؤلاء المناضلين يجب أن يبدأ بالاعتراف بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. فهم ليسوا فاعلين سياسيين بالمعنى التقليدي، بل هم مهندسو مستقبل أمة بأكملها، يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، حيث الموارد شحيحة، والدعم المادي محدود، والأعباء النفسية مضاعفة. كثير من هؤلاء الشباب تركوا وظائفهم، أو أجلوا دراستهم، أو علقوا أحلامهم الشخصية على المحك، كل ذلك من أجل أن يروا بلدهم ينهض من كبوته. لكن ما يحدث على الأرض كثيراً ما يكون مختلفاً عن التضحيات المقدمة، فبدلاً من أن يجدوا الطريق ممهداً نحو البناء، يجدون أنفسهم في متاهات من التشتت السياسي وتباين الرؤى، مما يزيد من حدة الإرهاق ويعمق الشعور بالإحباط.
أما الإرهاق الذهني فهو المعركة الخفية التي تدور في أعماق هؤلاء المناضلين، حيث يعاني العقل السوداني الثائر من حملٍ ثقيل يتمثل في محاولة الإمساك بخيوط المشهد السياسي المعقد. فبينما يعمل هؤلاء الشباب ليلاً ونهاراً على صياغة رؤية وطنية جامعة، تتصارع في المشهد قوى سياسية متعددة، لكل منها أجندتها وتصوراتها، وهذا التعدد، الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة وغنى، تحول في سياق المرحلة الانتقالية إلى مصدر إرباك وإرهاق ذهني. إن محاولة التوفيق بين مطالب الثورة ومتطلبات الواقع، والبحث عن أرضية مشتركة بين الفصائل المتضاربة، والتفكير المستمر في كيفية الخروج من المأزق السياسي، كلها عوامل تستنزف الطاقة الذهنية للمناضلين. ينامون وفي أذهانهم أسئلة معلقة، ويستيقظون على تحديات جديدة، في دورة لا تنتهي من التفكير الاستراتيجي والتكتيكي. وهنا تبرز مفارقة مؤلمة: فكلما ازداد التفكير في حلول، ازدادت تعقيدات الواقع، وكلما اقتربوا من اتفاق، ابتعدت الأطراف الأخرى، وكأن المشهد السياسي السوداني صُمم ليكون لغزاً محيراً لا يحل، وطريقاً مسدوداً لا نهاية له.
أما الإرهاق الجسدي، فهو الجانب الأكثر وضوحاً، لكنه الأكثر تجاهلاً في كثير من الأحيان، فالجسد في المعترك الثوري السوداني يدفع فاتورة باهظة، فساعات العمل الطويلة، وقلة النوم، وتفاوت أوقات الطعام، والتنقل المستمر بين أماكن الاجتماعات والنشاطات، كلها تترك آثارها على الصحة الجسدية. كثير من المناضلين يعانون من آلام الظهر نتيجة الجلوس لساعات، ومن الصداع المزمن، ومن اضطرابات النوم، ومن ضعف المناعة، لكن الأكثر إيلاماً هو ذلك الشعور بالذنب الذي يراود المناضل حين يأخذ قسطاً من الراحة، وكأن الاستراحة خيانة للقضية، وكأن الجسد ليس له حق في التعب. يعمل الشباب وكأنهم في سباق مع الزمن، متناسين أن استدامة العطاء تتطلب عناية بالجسد الذي هو أداة النضال الأولى. إنهم ينسون أن الثوار العظام في التاريخ لم يبنوا أمجادهم على أنقاض صحتهم فحسب، بل عرفوا كيف يوازنون بين العطاء والحفاظ على ذاتهم، لأن الجسد المنهك لا يمكنه حمل راية التغيير إلى النهاية.
ولعل الإرهاق النفسي هو الأخطر والأعمق، فهو الجرح الذي لا تظهره الفحوصات الطبية ولا تعبر عنه الكلمات بسهولة، فإلى جانب الضغوط اليومية، يحمل المناضل السوداني في داخله أحلاماً مؤجلة، وآمالاً تصطدم بواقع السياسة المتعثر. يشعرون أحياناً بأنهم يركضون في مكانهم، وأن التضحيات التي يقدمونها قد لا تثمر بالسرعة المطلوبة، والتشتت في المشهد السياسي، وتباين المواقف بين منظمات المجتمع المدني، وشعور بأن الجهود قد تتبدد في صراعات جانبية، كلها عوامل تغذي مشاعر الإحباط والقلق والاكتئاب. هناك لحظات يشعر فيها المناضل بالعزلة، وكأنه يحمل همّ وطن بأكمله على كتفيه، بينما لا يرى الكثيرون حوله حجم التضحية التي يقدمها، ويزداد هذا الشعور سوءاً حين يجد أن بعض من كانوا معه في بداية الطريق قد انسحبوا أو تغيرت مواقفهم، أو حين يرى أن من يدعون الوطنية يتصارعون على مكاسب شخصية بينما الوطن ينهار. إنها حالة من الخذلان المتكرر التي تهز الثقة في النفس وفي الآخرين، وتجعل المناضل يتساءل في أعماقه: هل ما أفعله يستحق كل هذا العناء؟
لكن رغم كل هذا الإرهاق، يبقى في قلوب هؤلاء الشباب وهج الأمل، طموحهم الكبير أن يعيش الشعب السوداني في دولة يحكمها القانون، حيث الحقوق والواجبات متساوية للجميع، وحيث التسامح هو أساس العلاقات الاجتماعية، وهذا الحلم النبيل هو ما يمدهم بالقوة للاستمرار. إنهم يؤمنون بأن ما يفعلونه ليس مجرد نشاط سياسي عابر، بل هو بناء لمشروع وطني يمتد لأجيال قادمة، كل كلمة يكتبونها، وكل اجتماع يعقدونه، وكل رؤية يصيغونها، هي لبنة في صرح الدولة التي يحلمون بها، وهذا الإحساس بأنهم يكتبون تاريخاً جديداً لبلادهم هو ما يمنح معنى لتعبهم وإرهاقهم. هم يعرفون أن الطريق إلى الحرية والكرامة لا يُعبَد بالورود، وأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى صبر طويل وعزم لا يلين، لكنهم أيضاً يعرفون أن ثمّة حقيقة لا بد من قولها بصوت عالٍ: إن طموحات الشعب السوداني المنكوي فوق أي اعتبارات سياسية، فهذا الشعب الذي نزف لعقود، والذي قدم أغلى التضحيات في ثورته المجيدة، يستحق أن تكون رؤيته هي البوصلة التي يهتدي بها الجميع، لا أن تكون رغبات الفصائل ومصالح النخب هي ما يحدد مسار المستقبل.
إن الشعب السوداني، بكل مكوناته وتنوعاته، لم يثور من أجل تبديل نظام بحكم آخر شبيه، بل ثار من أجل تغيير جذري في مفهوم الدولة والمواطنة، ثار من أجل أن تكون الكرامة حقاً لكل إنسان، وأن يكون القانون هو الحكم بين الناس لا هوى الحكام، ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبل السودان يجب أن ينطلق من هذا المبدأ الأساسي: أن هموم الناس وآلامهم وتطلعاتهم هي فوق كل اعتبارات السياسة الضيقة. نعم، للسياسة دورها وللأحزاب مكانتها، لكن كل ذلك يجب أن يظل خادماً لطموح الشعب، لا سيداً عليه، فالشعب المنكوي بحروبه ونزاعاته يعرف أكثر من غيره معنى العدالة، ويعرف أكثر من غيره قيمة السلام، ويعرف أن التسامح ليس ضعفاً بل قوة، وأن المواطنة المتساوية ليست شعاراً ترفع به الرؤوس في المؤتمرات، بل ممارسة يومية في الحياة.
من هنا، تصبح الدعوة إلى تغليب طموحات الشعب فوق أي اعتبارات سياسية ليست مجرد شعار عاطفي، بل ضرورة عملية لإنقاذ المشروع الوطني من الضياع، فالمشهد السياسي السوداني يعاني اليوم من حالة من التشرذم تجعل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني منشغلة بصراعاتها الداخلية وتبايناتها الرؤيوية، بينما الشعب ينتظر نتائج ملموسة على الأرض، ينتظر كهرباء تعمل، ودواء في المستشفيات، وتعليماً يفتح عقول أبنائه، وأمناً يريح باله، وفرص عمل تعيد له كرامته، هذه التطلعات البسيطة والمعقدة في آن واحد هي جوهر القضية السودانية، وهي ما يجب أن يوحد الجميع حول هدف واحد، بدلاً من أن يكون سبباً في مزيد من التفرق والتباعد.
إن المناضلين الذين يعملون ليلاً ونهاراً، وهم يدفعون أثماناً باهظة من صحتهم النفسية والجسدية، يحتاجون إلى شعور بأن ما يفعلونه يلقى صدى حقيقياً على الأرض، يحتاجون إلى أن يروا أن جهودهم ليست في مهب الريح، وأن أحلامهم ليست مجرد كلمات في ورق، ولذلك تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في أن تتجاوز خلافاتها، وأن تضع نصب عينيها المصلحة العليا للوطن، وأن تعمل على توفير مناخ يساعد المناضلين على العطاء دون أن يصلوا إلى حد الانهيار، فالثورة بحاجة إلى طاقة متجددة، وإلى عقول صافية وجسود سليمة ونفوس مطمئنة، لا إلى محترقين منهكين يسقطون في منتصف الطريق، فما قيمة التغيير إذا كان من يقودونه يدفعون حياتهم ثمناً له قبل أن يتحقق؟ هذا السؤال يجب أن يظل حاضراً في كل مناقشة، وفي كل قرار، وفي كل خطوة نحو المستقبل.
وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن الشباب الثوار والمناضلين في السودان اليوم يقدمون نموذجاً فريداً في التضحية والعطاء، إرهاقهم الذهني والجسدي والنفسي ليس مجرد تحدٍ فردي، بل هو انعكاس لحالة وطن تمر بمنعطف تاريخي دقيق، هؤلاء المناضلون هم الأمل الحقيقي في بناء سودان جديد، سودان يسوده التسامح والقانون، ويستحق هؤلاء الشباب كل تقدير ومساندة، ليس فقط من محيطيهم، بل من كل من يؤمن بمستقبل أفضل للسودان، فما يقدمونه من جهد وتضحية هو استثمار في مستقبل البلاد، وحلمهم بوطن تسوده قيم المواطنة المتساوية هو حلم كل سوداني شريف. طوبى لمن ينام وعينه على وطنٍ يولد، ويستيقظ وإرهاقه عنوان عطاء، وطموحه أن يرى في عيون أبناء وطنه بريق الحرية والكرامة، وطوبى لهذا الشعب الصابر الذي رغم كل الجراح ما زال يؤمن أن الغد أفضل، وأن العدالة آتية لا محالة، وأن التسامح سينتصر في النهاية على كل أشكال الكراهية والاستبداد، فلنعمل جميعاً، كل من موقعه، من أجل أن يكون هذا الحلم واقعاً معاشاً، ومن أجل أن يظل طموح الشعب السوداني فوق أي اعتبار، لأنه وحده الضمانة الحقيقية لوطن يسع الجميع، ويحفظ للجميع كرامتهم وحقوقهم.

بتاريخ 30 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x