الإسلاميون: سرطان السودان

بقلم: الغالي إبراهيم سليمان
مرت الدولة السودانية بمراحل عصيبة منذ أن سلَّم المستعمر السلطة إلى المجموعات الصفوية التي استأثرت بامتيازات سياسية واقتصادية وتعليمية على حساب بقية الشعوب السودانية. وقد هيمنت هذه المجموعات على مفاصل السلطة كافة، ومارست الإقصاء والتمييز الديني والعرقي والثقافي، فتحوَّل السودانيون إلى ضحايا مرضٍ سرطاني تمثَّل في الحركة الإسلامية، التي فرضت مشروعها على الشعوب السودانية عبر مؤسسات الدولة، ما أدى إلى اندلاع ثورات متتالية انتهت بانفصال جنوب السودان لغياب حلول جذرية تضمن المساواة بين السودانيين في حقوق المواطنة.
طرحت حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الرفيق الأستاذ/ عبد الواحد محمد أحمد النور مشروعًا سياسيًا جسَّد فيه التركيبة الحقيقية للدولة السودانية وقراءة عميقة لجذور الأزمة التاريخية. يقوم هذا المشروع على جعل السودان مرآة تعكس جميع ألوان الطيف السوداني دون تمييز على أساس الدين أو اللون أو العرق، بحيث تكون المواطنة المتساوية أساسًا للحقوق والواجبات. وأعلنت الحركة ثورة مسلحة عام 2002م واجهت بها نظام الحركة الإسلامية بإرادة قواتها العسكرية، وحققت انتصارات كبيرة رغم ضخامة إمكانيات الدولة. ومع فشل الحركة الإسلامية ومليشياتها في المواجهة، لجأت إلى استهداف المدنيين ومارست أبشع الجرائم (التطهير العرقي، الإبادة الجماعية، حرق القرى والتشريد)، فأصبح عناصرها مطالبين أمام العدالة الدولية.
لم تساوم حركة/جيش تحرير السودان الإسلاميين كما فعل أصحاب المصالح الذاتية عبر اتفاقيات ثنائية قائمة على المحاصصة، بل ظلت ثابتة على مبادئها في مسيرة نضالها العسكري والسياسي. وطرحت خطابًا سياسيًا عبر واجهتها الطلابية (الجبهة الشعبية المتحدة UPF) التي واجهت أجهزة النظام الأمنية بالحجة والمنطق. ولم تتوقف منابر الوعي هذه عند حدود معينة، بل أوصلت رسالة التغيير إلى جموع الشعب السوداني، حتى تفجرت ثورة ديسمبر المجيدة بشعاراتها المعروفة (حرية، سلام، وعدالة – والثورة خيار الشعب).
لكن للأسف الشديد اختُطفت تلك الشعارات من قبل أصحاب المصالح والامتيازات عبر المساومة مع جيش الحركة الإسلامية، ما أدى إلى عودة الكيزان عبر بوابة انقلاب 25 أكتوبر 2021م، الذي أفضى إلى حرب 15 أبريل 2023م بين الجيش ووليده المدلَّل. شملت هذه الحرب كل أرجاء البلاد، وتعرض السودانيون خلالها لأسوأ كارثة إنسانية يشهدها التاريخ الحديث (ذبح المواطنين على أساس عرقي، تشريد، تجويع، نهب الممتلكات، تدمير المستشفيات والمؤسسات التعليمية)، مما يؤكد أن هذه الحرب لم تكن سياسية بل انتقامية ضد مكوّنات الشعب السوداني، على غرار سنّ القوانين الجائرة التي لا موضع لها في دولة العدالة.
اتخذت حركة/جيش تحرير السودان موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا محايدًا بعدم دعم أي طرف من أطراف الحرب، وأطلقت مبادرة الفاشر في يوليو 2024م لتكون منطقة إيواء للنازحين من نيران الحرب، كي تتمكن الجهات الإنسانية من تقديم العون، غير أن طرفي النزاع لم يراعيا معاناة الأبرياء العُزَّل حتى أصبحت مدينة الفاشر – رمز تاريخ دارفور – في مصير مجهول.
واصلت الحركة جهودها الإنسانية وجعلت أراضيها المحررة مفتوحة للمواطنين النازحين، وبذلت كل طاقاتها لتوفير الدواء والغذاء والملبس رغم شح الإمكانيات. كما أطلقت مبادرة لتكوين جبهة مدنية عريضة لوقف وإنهاء الحرب، وفتحت أبوابها للقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ذات الموقف الواضح المناهض للحرب، على أن ينتقل الحوار بعد ذلك إلى مناقشة الجذور التاريخية للأزمة السودانية في إطار حوار سوداني-سوداني يضم جميع التنظيمات السياسية والاتحادات الشبابية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني، مع استثناء المؤتمر الوطني وواجهاته.




التحية ليكم ابطالنا الشرفاء موفقين في مصيرتكم