الإفلات من العقاب… سلام فوق جماجم الضحايا

بقلم: عاطف محمد أحمد
هل الإفلات من العقاب هو اتجاه أطراف صراع حرب 15 أبريل؟ السؤال ليس استنكارياً، بل توصيف للواقع.
منذ الطلقة الأولى، والانتهاكات الإنسانية تُرتكب على رؤوس الأشهاد: تدمير ممنهج للبنية التحتية، قصف المستشفيات والمدارس، نهب الأسواق، وجرائم الاغتصاب التي وصمت جبين كل مدن السودان من الخرطوم إلى زالنجي إلى الجنينة.
السؤال المركزي: من الذي يتحاسب على تلك الانتهاكات؟
القانون واضح، والأعراف الدولية أوضح: كل من أمر، وكل من نفذ، وكل من تستر، شريك في الجريمة. لا حصانة لبزة عسكرية، ولا قداسة لبدلة مدنية. قادة الجيش والدعم السريع والحركات المتحالفة معهما، كلهم أمام المسؤولية سواء.
لكن الخطر الأكبر اليوم هو تطبيع الإفلات من العقاب. هناك من يسوق لفكرة أن “تجاوز الجرائم” ثمن ضروري للسلام. وهذه كذبة كبيرة. غياب محاسبة المجرمين ليس خطوة نحو السلام الاجتماعي، بل هو ضمان لتكرار الحرب. الضحية التي لا تجد عدالة، ستورث ثأرها لأبنائها. والمجتمع الذي يُدفن فيه الظلم بلا قصاص، يتحول إلى مقبرة جماعية للأخلاق.
العدالة الانتقالية ليست شعاراً، بل آليات عملية تبدأ الآن
أولاً، لجنة تحقيق وطنية مستقلة بصلاحيات كاملة ودعم دولي، توثق كل الانتهاكات من 15 أبريل وتحدد المسؤولين بالاسم. ثانياً، محاكم متخصصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تضمن محاكمات عادلة وسريعة لا تستثني رتبة ولا منصب. ثالثاً، برنامج وطني لجبر الضرر يشمل التعويض المادي والنفسي للضحايا، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. رابعاً، كشف الحقيقة والمصارحة: من أعطى أوامر القصف؟ من شرعن الاغتصاب كسلاح؟ الشعوب لا تتصالح مع الكذب. خامساً، إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، حتى لا تتحول مرة أخرى لأدوات قتل بيد طرف ضد آخر.
العدالة الانتقالية لا تبدأ بالعفو، بل تبدأ بالاعتراف. تبدأ بمحاسبة كبار المجرمين علناً، وبجبر ضرر الضحايا، وبكشف الحقيقة كاملة. عندها فقط يبدأ السلام الاجتماعي الحقيقي، لأن الضحية ستشعر أن دمها لم يذهب هدراً.
سلام بلا عدالة هو استسلام. واتفاق بلا محاسبة هو مجرد هدنة لتخزين السلاح.
إذا أردنا وطناً يسع الجميع، فالطريق يمر عبر قاعة المحكمة، لا عبر صفقات الغرف المغلقة التي تكافئ القاتل وتجلد الضحية



