الإنسانية تجمعنا.. فمن ينقذ مناطق انتشار الوباء بدائرة ديرا من مقصلة “جدري القرود”؟

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
في أوقات الأزمات الكبرى، تكف الأرقام الصماء عن كونها مجرد إحصائيات متجردة، لتتحول إلى مرآة مصقولة تعكس عمق الوجع البشري، وتصبح مجرد صرخة استغاثة مكتومة يتردد صداها خلف جدران التهميش والنسيان. إن ما تشهده مناطق انتشار الوباء بدائرة ديرا اليوم، يتجاوز في تقديري مجرد رصد عابر لتفشٍ وبائي جديد؛ إنه يشكل محاكمة علنية للشعارات الإنسانية البراقة التي نتغنى بها، واختباراً حقيقياً ومصيرياً لما يُسمى بـ “الضمير العالمي”.
تخبرنا القراءات الصحية والمؤشرات الميدانية الأخيرة عن قفزة مقلقة، بل وصادمة، في معدلات تفشي مرض جدري القرود بالمنطقة. عندما يرتفع إجمالي الحالات من 365 إلى 395 حالة في غضون أيام معدودات (في الفترة من 30 المنصرم وحتى الأول من هذا الشهر)، إثر تسجيل 30 إصابة جديدة، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد منحنى بياني صاعد، بل عن خطر داهم يزحف بمتوالية هندسية مرعبة، ويهدد بوضع دائرة ديرا بأكملها على شفا كارثة صحية يصعب التنبؤ بتبعاتها إذا ما خرج الوضع الوبائي عن السيطرة.
من وسط هذا الحصار الخانق، التقطتُ صرخة عتب مريرة، تختزل في عمقها لسان حال أهلنا في تلك المناطق الموبوءة؛ صرخة يمتزج فيها الذهول بالحيرة وهي تتساءل في استنكار مشروع:
”لماذا لم تتدخل المنظمات الدولية في دائرة ديرا لحمايتنا؟!”
في واقع الأمر، هذا ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو إدانة أخلاقية صريحة لواقع مرير يواجه فيه مواطنون عزل مرضاً شرساً بأجسادهم العارية وأيديهم الخالية، وسط غياب شبه تام للاستجابة الدولية الإنسانية التي يجب أن تتناسب – حد الأدنى – مع حجم الكارثة. إن أهلنا هناك، وهم يرون الخطر يطرق أبواب بيوتهم ويتربص بأطفالهم كل صباح في القرى والبلدات الموبوءة، يتساءلون عن دور المؤسسات الأممية والإنسانية في رفع هذا البلاء وتوفير الحماية العاجلة لهم.
إن القراء الموضوعية لهذا الواقع تفرض علينا التحرك الفوري وفق استراتيجية تقوم على مسارين متلازمين، لا يغني أحدهما عن الآخر:
أولاً: الوعي المجتمعي كخط دفاع أول (المسؤولية المحلية)
في ظل تأخر المدد الإنساني، أرى أن وعي المواطن وتماسكه هو حائط الصد الحقيقي والوحيد لكسر حلقة العدوى. إنني أهيب بأهلنا في كافة مناطق دائرة ديرا إبداء أعلى درجات الانضباط الوبائي عبر إجراءات صارمة:
الحسم في العزل الفوري: بمجرد ظهور الأعراض الأولية (حمى، صداع حاد، تضخم غدد، أو طفح جلدي وبثور) يجب عزل الحالة وتغطية البثور فوراً.
الالتحام والقطيعة الصارمة مع أدوات المصاب: يمنع تماماً مشاركة الملابس، أو أغطية الأسرّة، أو الحاجيات الشخصية مع أي حالة مشتبه بها.
سلوك النظافة المستدامة: الالتزام بغسل الأيدي بانتظام بالماء والصابون، والتعقيم المستمر، وتجنب الملامسة اللصيقة والاحتياط التام.
ثانياً: الاستجابة الدولية الفورية (المسؤولية العالمية)
إن وصول مؤشر الإصابات إلى عتبة الـ 395 حالة وسط الظروف الاستثنائية والحرجة التي تعيشها بلادنا، هو جرس إنذار أخير للمجتمع الدولي. من هنا، أرفع صوتي مضامناً مع صوت أهلي، لأناشد كافة المنظمات الصحية الدولية، والإقليمية، والمحلية، بضرورة التخلي عن البيروقراطية والنزول الفوري إلى الأرض تحت مظلة الشعار الخالد: “الإنسانية تجمعنا”. إن دائرة ديرا تحتاج الآن – وليس غداً – إلى معقمات، وأدوات حماية شخصية لحماية المواطنين والكوادر، وإمدادات طبية منقذة للأرواح قبل أن تتسع الرقعة وتتحول المأساة إلى وباء شامل.
في الختام، أؤكد أن حماية إنسان دائرة ديرا هي مسؤولية تضامنية مشتركة؛ تبدأ من وعي الفرد في بيته، وتكتمل بوفاء المنظمات الدولية بالتزاماتها الأخلاقية. فلنكن جميعاً حائط الصد الأول، ولتتحرك ضمائر الإنسانية قبل فوات الأوان.



