الاتفاقية الإبراهيمية: فرصة سودانية أم معركة هوية؟

بقلم: عاطف محمد أحمد
مع عودة ملف العلاقات الخارجية إلى صدارة المشهد الدولي، تعود “الاتفاقية الإبراهيمية” لتفرض نفسها كأحد العناوين الرئيسية في إعادة تشكيل خارطة التحالفات. وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، التي ربطت بين أي تسوية شاملة في المنطقة وتوقيع الدول على الاتفاقية، تفتح الباب أمام قراءة جديدة لموقع السودان وإفريقيا من هذا التحول.
من مشروع إقليمي إلى حسابات دولة
لم تعد الاتفاقية الإبراهيمية تُقرأ فقط كمسار سياسي خارجي، بل كمدخل لإعادة تعريف علاقة الدولة بمحيطها الدولي. بالنسبة للسودان، فإن الانخراط في هذا المسار يرتبط مباشرة بسؤال: كيف نستخدم الانفتاح الخارجي لخدمة الاستقرار الداخلي والتنمية؟
السنوات الماضية أظهرت أن العزلة الدبلوماسية والاقتصادية كلّفت السودان فرصاً كبيرة في جذب الاستثمار وتحديث البنية التحتية. ومن هنا فإن أي تقارب مع منظومة الاتفاقية يحمل إمكانية فتح قنوات تمويل، نقل تكنولوجيا، وشراكات في مجالات الطاقة والزراعة والمياه، وهي ملفات حيوية لاقتصاد سوداني يبحث عن مخرج من الأزمة.
البعد الداخلي: صراع الهوية والنظام
التقارب مع الاتفاقية ارتبط في النقاش العام السوداني بصراع أوسع حول طبيعة الدولة. ففي خطاب بعض القوى السياسية، أصبح يُنظر إليه كدعم لمشروع الدولة المدنية ذات الطابع العلماني، في مواجهة إرث الحركة الإسلامية الذي هيمن على المشهد لعقود.
هذا التداخل يجعل الملف الخارجي ساحة لتصفية الحسابات الداخلية. لكن المصلحة الوطنية تقتضي فصل المسارين: أن تكون العلاقات الخارجية أداة لخدمة الاقتصاد والأمن القومي، لا وقوداً للاستقطاب السياسي الداخلي. فالسودان يحتاج اليوم إلى شراكات تعز السيادة الوطنية، لا أن تُستخدم كورقة مساومة في صراع الهوية.
البعد الإفريقي: فرصة للتكامل
على مستوى القارة، تمثل الاتفاقية نموذجاً لتحالفات عابرة للحدود تربط بين الشرق الأوسط وإفريقيا عبر مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة. السودان بموقعه الجغرافي يمكن أن يكون حلقة وصل بين شمال إفريقيا وشرقها، خاصة في مجالات التجارة، الأمن المائي، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
إفريقيا اليوم تبحث عن شراكات لا تقوم على المساعدات فقط، بل على تبادل المنافع والاستثمار المشترك. والانخراط السوداني الذكي في هذه الشبكة قد يمنح الخرطوم دوراً محورياً في مبادرات القارة، بدل أن تبقى في موقع المتلقي السلبي.
الخلاصة
السؤال الحقي للسودان ليس “هل نوقع أم لا؟”، بل “كيف نُدير هذا الملف بما يخدم مصلحة الدولة السودانية أولاً؟”. فالمطلوب هو مقاربة براغماتية تفصل بين الحسابات الجيوسياسية الواسعة وبين احتياجات المواطن السوداني في الأمن، المعاش، والتنمية
وإذا نجح السودان في تحويل الاتفاقية إلى رافعة اقتصادية ودبلوماسية دون الانزلاق في معارك الهوية، فإنه قد يكسب موقعاً متقدماً داخل القارة الإفريقية كدولة عبور وتكامل، لا دولة انتظار وترقب.



