مقالات الرأي

التحديات السياسية والحلول: الحوار السوداني – السوداني

بقلم: سارة آدم محمد عبد الكريم

بنيت الدولة السودانية منذ تاريخها التليد على أساس خاطئ، زتجلت أزماتها في غياب مشروع وطني حقيقي لاحتضان الأزمة وجميع مكونات الشعب السوداني دون تمييز، على أساس المواطنة المتساوية. وقد وجدت شواهد مؤكدة على أن المجتمعات السودانية كانت متعايشة ضمن عقد اجتماعي سليم، ومتسامحة لزمن بعيد، في ظل الحضارة النوبية وتداخلها مع الحضارات الفرعونية منذ أكثر من ٣٠٠٠ سنة قبل الميلاد، تلتها الحضارة الكوشية، وعبرها دخول المسيحية في القرن الرابع، ثم الممالك النوبية المسيحية. ومع انهيار آخر الممالك، علوة وسوبا… شهد السودان دخول حركات جديدة وفي سنة ١٢٢٠ الغزو التركي–المصري، تلاه قيام الدولة المهدية عام ١٨٨٥، ثم الحكم الإنجليزي–المصري عام ١٨٩٨حتى دولة ١٩٥٥، حين تأزم تعايش المجتمعات فيما بينها.

إلا أن هذا الوضع تغير تدريجيا عقب دخول المستعمر، الذي سلم السلطة لاحقا لقلة مستبدة كرست سياسات عقيمة ومتحيزة، اتبعت نهج “فرق تسد” داخل أجهزة الدولة المتعددة والمتنوعة.
ما قبل ذلك الحين، كانت أنظمة الحكم في السلطنات والممالك السودانية قائمة على قيم العدالة والمساواة والسلام الاجتماعي دون تصدعات. لكن بعد خروج المستعمر، تسلمت السلطة لقلة محددة برئاسة إسماعيل الأزهري، واصيب الوطن بداء التخلف والرجعية، بأساسها الحشو الذي قام على الانقلاب على إرادة الشعب، مما أصاب البلاد بدوامة نفاق باسم الديمقراطية، وتارة بحكومة انقلاب عسكري، ثم ديمقراطيات زائفة لم تعبر عن إرادة الشعب قط. ولم يشهد السودان تجربة ديمقراطية حقيقية لأن النظام الدستوري القائم تأسس على توصيات المستعمر، بما فيها من ثغرات وبنية احتكارية للسلطة والثروة.

لذلك نجد أن تعميق المأساة كان ممنهجا تاريخيا، بنهج سياسي محكم، بلغت ذروته خلال حقبة الإسلاميين، وامتد أثره بسبب فكرهم الأيديولوجي القائم على الأحادية والشمولية. وبهذا خلفوا عقليات انتهازية مصابة بداء السلطة والثروة، مما أدى إلى انتهاكات واسعة النطاق بحق الإنسان، ومن أبرزها فصل جنوب السودان على أسس جهوية وعنصرية وتهميش أجزاء أخرى من الدولة السودانية.

لقد تابعتم أن هناك مخططات مصلحية تدار بإستراتيجية دقيقة تستهدف تقسيم السودان إلى دويلات دون إرادة شعبها وقواها المناهضة للتغيير الشامل. وهذا يعد عمدا وتعمدا لاستمرارية الحرب بلا جدوى، وتزداد المعاناة والاستغاثة الإنسانية من حين لآخر، بحروب مفتعلة دموية، مستمرة بسلم الساسة ومنفذة بيد الإسلاميين الذين يرون أنهم الأحق بتدمير السودان، كما صرح بعض قادتهم علنا بأنهم جاءوا إلى السلطة بالقوة، ومن أراد التغيير فلا سبيل له إلا بالقوة.

نحن في حركة/جيش تحرير السودان نعمل بوعي عميق لحجم التحديات، وقد واصلنا نضالنا مؤمنين بأن لا حل لأزمة السودان إلا عبر الحوار السوداني–السوداني. يجب على السودانيين الجلوس معا، دون وساطة خارجية، لمناقشة قضاياهم ووضع الحلول الشاملة لها.

تخاطب حركة/جيش تحرير السودان كل أطياف الشعب السوداني، من جماهيرها وعضويتها لتؤكد أن الحروب التي وقعت في السودان من ١٩٥٥ وتازم في ١٩٥٦ حتي يومنا هذا كانت متوقعة نتيجة فشل اتفاقيات عدة لم تُخاطب الأزمة ولا الجوهر الحقيقي لمشكلة البلاد. التي تدمل الجراح وتعالج اس الأزمة، بل عمقت المحاصصة والمصالح الحزبية الضيقة، دون روح وطنية خالصة لشل الوطن وشعبها من حل الظلم والفساد . لذا نسميها اتفاقيات ثنائية لا ترتقي إلى تطلعات الشعب.

كما نرفض بشدة كافة المساومات والاتفاقيات الأحادية والثنائية (الحلول الجزئية) منذ مؤتمر حسكنيتة، ولم نوقع على أي منها طالما لم تحقق طموح وتطلعات الضحايا والأبرياء، وفقا لمعيار المواطنة الحقة، نظرًا لانعدام الثقة والإرادة في نظام الإسلاميين.لطي الأخطاء التاريخية بحقيقة ونظرة جليه وجاده لانهاء الأزمة.

بل على العكس، استمروا في تجييش وصناعة المليشيات المسلحة لمهاجمتنا، وما زالوا يصنعونها دون الاستفادة من افتعال الأزمة الحالية التي يعيشها المواطن والوطن، رغم أن الحركة ظلت تقاتل هذا النظام منذ أكثر من ٢٤ عامًا بوعي راسخ بجذور الأزمة السودانية، متخذة الحياد كموقف وطني وإنساني.
ما زال الوطن وإنسانه في حالة تغييب وانتهاك صارخ دون إحساس ولا كرامة للمنتهكة حقوقهم جزافا.

لقد بنيت سياسات المركز في الخرطوم على أسس العرق والظلم وغياب العدالة الاجتماعية. لهذا، تؤمن الحركة بوحدة السودان القائمة على المواطنة المتساوية، وتحمل السلاح حماية لمشروعها السياسي لبناء دولة المواطنة، ودولة سيادة حكم القانون، بدستور علماني يفصل الدين عن الدولة.

نسعى لبناء دولة ذات مشروع سياسي مقاوم للجهوية والعنصرية، تؤمن بأن السودان للجميع، وأن الشعب واحد لا يتجزأ. ورغم الصراعات المستمرة بين الأنظمة والساسة، فقد أنتجت الأوضاع كارثة إنسانية منذ عام ٢٠٠٣ وحتى الآن، مرورا بحرب ١٥ أبريل، التي كانت من أسوأ مراحل البلاد.

مارست أطراف الصراع الانتهاكات ذاتها ضد الشعب السوداني، بأساليب قتال متطورة، شملت استخدام أسلحة محظورة دوليا، كما حدث في جبل مرة عام ٢٠١٦، وواصلوا استخدام الأسلحة الكيميائية برغم أنها محظورة دوليا. والمؤسف أن أحد طرفي الصراع يستعد لإطالة أمد الحرب، بينما يدفع الشعب وحده الثمن.

نحن أمام لحظة مصيريةإذا لم يجلس أحد أطراف الحرب إلى طاولة الحوار، ويوقف القتال ضد الشعب، فلن تكون هناك دولة اسمها السودان الحديث.

رؤيتنا واضحة لن تنتهي الحرب إلا عبر جبهة مدنية عريضة، تضم كل القوى الثورية والوطنية، والأجسام الشبابية الهادفة إلى التغيير الجذري الشامل من ثوار أكتوبر وأبريل وديسمبر، والقوى السياسية والمدنية ذات الإرادة الصادقة.

نؤكد تمسكنا بمبادرتنا السياسية والإنسانية لوقف الحرب. مشروعنا يقوم على بناء مؤسسات مدنية حقيقية، وجيش مهني عقيدته القتالية موحدة، لا يخضع للولاءات الجهوية أو العقائدية. كل ذلك يبدأ من منصة حوار سوداني–سوداني، تُطرح فيها الأزمات بحلول متكاملة منسجمة، لخلق مشروع وطني جاد يعمل على علاج العقم السياسي، بشفافية وشجاعة، لتفنيد جذور الأزمة التاريخية التي أوصلت البلاد إلى هذا المفترق، بحلول محكمة وعملية على أرض الواقع، ليتشافى الوطن وإنسانه من ديمومة الدماء والدموع، وصولا إلى مركب النهضة والتطور والازدهار بلا إذلال.

2 يوليو 2025م

مقالات ذات صلة

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
ابو مشتهى ملازم

عظيمة

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x