التربية الإجتماعية في نضال حركة/ جيش تحرير السودان

بقلم الرفيق/ محمد رورو
في العام 2002 ظهرت حركة جيش تحرير السودان في الساحة السياسية السودانية كإمتداد لحركات التحرر الوطني الأفريقي السوداني .. متطلعة نحو تحقيق مطالب الشعب السوداني.
لم تكن هذه الظهور صُدفة بل إستجابة لمآزق الدولة التاريخية والتي ظلت تعاني اساساً من خلل بنيوي وعاهات إستعمارية أنتجت صفوة مركزية نصبت الدولة لنفسها وذاق الشعب ويلات التهميش الإجتماعي والإفقار الإقتصادي عبر سياسات إقصائية متعمدة تؤكد فشل السلطة الموروثة من المستعمر . فمنذ اليوم الأول من الإستقلال كان الظلم وتدجين عقول الشعب داخل أيديولوجية مفارقة للواقع السوداني هو النهج الأساسي للدولة وبالتالي جعل المواطن يعيش داخل الدولة في إضطرابٍ مرعب بلا روح.. بلا عقل .. بلا كرامة.
في خضم هذه التجربة الصفوية المنهزمة ذاتياً ومن رحم الشعب السوداني المظلوم وِلدت حركة/جيش تحرير السودان مختارة ميدان إنطلاقتها العسكرية من جبال الفلاحيين وسهول الرعاة والمحرومين من العيش والحياة ، اؤلئك الذين تجاهلتهم الدولة وغذتهم بالجهل والأمية مع مصادرة أصواتهم لصالح الدولة المختلة.
تلك الإنطلاقة العسكرية للحركة وتحقيق الانتصارات الخاطفة لم تكن إنتقاماً عسكرياً ولا إنتحاراً سياسياً بل
تنفيذاً لمشروع وطن أوجد الشعب نفسه بداخله فدعمه بعقول الكِبار أصحاب الحكمة وطاقة الشباب وقدرات النساء ليتكون بهم قوة الحركة التي إختارت ضرورة الكفاح المسلح الرامي في التخلص من الأنظمة الدكتاتورية الأحادية وبناء دولة العقد الإجتماعي .. وهذا الضرورة إنما آلية ضرورة تاريخية حتّم تحمل تضحيات الشعب والجنود ، لحماية مشروع الحركة ومقاومة النُظم العسكرية الطاغية تتويجاً بدولة المواطنة المتساوية ، الدولة العلمانية الليبرالية الديمقراطية الفدرالية الحر الموحد.
ومن هذا السياق لابد من النظر الي عملية البناء الإجتماعي الذي يعد ركيزة أساسية في نضال الحركة :
أولاً _ العمل النضالي المستمر الهادف لكشف الحقيقة المسكوتة للشعب حول حجم الضرر الناجم والتهميش الذي ظلت الدولة تمارسه تجاهه .. ثم بث الوعي عليه بمخططات الدولة التي تقسمهم الي جماعات إثنية وقبلية ، جهوية ودينية .. يتم ذلك بتحرير عقول الشعب من الوهم الإسلاموعروبي وبعث الثقة في الذات عبر عمل ثوري مكثق ودؤوب تقوم به رفاق الحركة
داخل الجامعات والشوارع وتجمعات الأحياء والمخيمات ومكاتب الحركة داخل وخارج الدولة.
ثانيا _ الرسالة الثورية ووضوح الطرح والصراحة الذي يتسم بها القادة والسياسيين في المقابلات التلفزيونية والندوات وجميع منصات التواصل الاجتماعي والذي يعتبر إنعكاساً للرؤية الثورية البنّاء والمُضي قُدماً عبر طريق النضال الصحيح متجاوزاً معمعة التقلبات السياسية وتعقيدات الراهن السياسي وإغراءات السلطة الحاكمة.
ثالثا _ طرح الأهداف المنشودة والمبادي الأساسية لملامح الدولة الوطنية علناً وبشفافية عالية لا لبس فيه ثم الإلتزام الواضح للرؤى والبرامج الذي يحمله مشروع تحالف الشعب العريض.
رابعاً_ العمل النضالي الفردي الفعّال داخل المجتمع كنوع من انواع المسؤولية الأخلاقية والثورية التي تقدمه رفاق الحركة.. وهو عمل فيه مخاطرات ومغامرات سواء داخل الأسرة مع الإدراك التام ببطء الإستجابة الأسرية للأفكار الثورية نتيجة للرضاعة
الإسلاموعروبية الطويلة وإنتزاع حقيقتهم التاريخية.. وايضاً العمل الثوري الفردي في أكثر الأماكن محفوفة بالمغامرات والمخاطرات الأمنية.
في العام 2021 عقد الحركة مؤتمرها العام الإستثنائي حيث حدثت فيه نقلة نوعية تاريخية وُلدت فيها أكثر المهام ضرورةً في الكفاح السوداني الأفريقي وهي إستحداث قطاع السلطة المدنية.. التي سرعان ما تم هيكلتها وباشرت عملها الميداني كحكومة ثورية تمثل الشعب .. ونري اليوم المجهودات الجبارة والسهرات المتواصلة والجهد التي تبذلها هذه الحكومة بمساندة القطاع العسكري والمنسقية العامة لإحتواء النازحين وحمايتهم والقبول الإجتماعي لأهل السودان القادمين من مختلف مناطق وسحنات السودان مع تقديم الحوجات الماسة بتطوع وايضاً التعايش معهم بسلم دون حدوث أية نوع من التعنصر او الكراهية والجُرم ضدهم عليهم وهذا من أندر الأشياء التي لا تحدث في مناطق السودان المختلفة ودليل قاطع علي نضال الحركة إجتماعياً في المناطق التي تُسيطر عليها.
إن السلطة المدنية في الأراضي المحررة تمثل حكومة ثورية تعمل علي تربية المجتمع علي أساس ثوري، يدافع عن نفسه ويطالب بحقه .. مجتمع يعتز بذاته .. يعبر عن ثقافته بفخر .. إنه يعمل وبإستمرار علي خلق إنسان متسامح مع نفسه ومع الآخرين .. مجتمع يعرف ما له وما عليه تجاه الدولة ، يحارب العنصرية بشتي أنواعها ويحب السلام والتعايش مع الأخر المختلف.. هذا العمل هو تنفيذ مشروع الحركة وإنزالها علي أرض الواقع ولا يقتصر علي مواطني الأراضي المحررة المحظوين بوجود الحركة في مناطقهم بعد تحريرها عسكرياً من الدولة.. ولكن هذا هو مشروع لكل السودانيين وسعي الحركة لتوصيله علي جميع السودانيين وفي اي مكان ، فكان لتكثيف الندوات الثورية في ساحات المدن دليلاً قاطعاً علي جهد الرفاق لتوصيل الوعي والفكرة الثورية للشعب..
فالسودان اليوم بلد مُختل يعاني من عاهات مؤسسية وأمراض سياسية خطيرة أصاب الصفوة (البرجوازية الوطنية اللقطية) التي تحاول جعل السودان تابعاً للمركزية العربية ثقافياً وتاريخياً الأمر الذي يتعذر تحقيقه كل مرة. هذا الهروب المُخجل من الهوية
والثقافة/الحضارة والتاريخ هو الذي أفسح المجال لميلاد الحركة لتتبني مسؤولية إعادة الإنسان عزيزاً مكرماً في وطنه وإعادة تعريف لهذه الدولة الوطنية بعقد إجتماعي جديد يتشارك فيه الجميع وهذا هو الدور التي تلعبه الحركة في إعادة تعريف الانسان السوداني إستناداً علي هويته الحقيقة لا المشوه ، وتاريخه الحقيقي لا المزيف ، ولا يتم ذلك الا بالعمل مع الشعب وكشف الحقائق التاريخية له وتعريفه بالراهن ومنحيات السياسة السودانية وأهمها الصدق في قضيتهم .. وهذا الفعل ضروري في بلد لم يبلغ بعد مرحلة البناء والتعدد السياسي وفي الأصل ليس هنالك دولة بل سلطة إستعمارية داخلية تعاني من إختلال واضح والسبب يعود الي عدم تحرر هياكلها وبنيتها ومؤسساتها من ذاكرة الاستعمار والإستتباع الثقافي العروبي..
في الواقع هناك سلطة إستعمارية صفوية من جهة وثورة تحررية من جهة ومن المسؤولية أن تبقي الحركة التحررية لصالح الشعب الذي هو ضحية السلطة الإستعمارية الكمبرادورية.. وفعلياً أصبح حركة/جيش تحرير قيادة عبدالواحد نور في يد الشعب متمثلة في
السلطة المدنية (حكومة الشعب الثورية) تحت مظلة جيش الحركة. تلك الجيش الباسل الذي يتم تدريبه وتربيته علي اساس وطني وثوري وليس مقاتلين فقط.
ومع اندلاع حرب 14 ابريل الجنرالية كانت الحركة قد إتخذت موقف الحياد من حربٍ لم يختاره الشعب ، بل فتحت اراضيها المحررة ملجئاً آمناً للشعب الآتي من كل المدن السودانية.
والزمن أثبت نجاح الحركة في إدارة التنوع والتعدد، فالاراضي المحررة اليوم تحتوي 7 مليون نسمة من مختلف الخلفيات الثقافية والجهوية والدينية يعيشون في أمن وسلام وطمأنينة بينما قطاعات الحركة تعمل كطاحونة من أجل سلامتهم وتعافيهم وبنائهم مواطنين متسامحين ليسو ضد انفسهم وثقافاتهم واديانهم وهذه هي التربية الوطنية والبناء الإجتماعي القويم للإنسان.


