“التعليم كشريان حياة” وسط دمار الحرب: بين الحماية النفسية والأمل المستعاد

بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )
في زمن الحرب، يتحول التعليم من مجرد عملية نقل معرفة إلى فعل حماية ومقاومة وجودية، في ظل القصف، النزوح، وانهيار البنية التحتية، تصبح المدرسة – أو حتى حصة تعليمية مؤقتة – واحدة من أبرز الفضاءات التي تمنح الأطفال والشباب إحساسًا بالاستقرار والمعنى، في عالم يفقد فيه كل مرجع ثابت.
تسعى هذه المقالة إلى تحليل دور التعليم كشريان حياة في زمن الحرب، مع التركيز على بعديْه الأساسيين: حمايته للصحة النفسية للنازحين والمهجّرين، ودوره في إعادة بناء الأمل الفردي والمجتمعي.
التعليم كفضاء حماية نفسية
التعليم في النزاعات لا يعلّم القراءة والكتابة فحسب، بل يقدّم للطفل فرصة لاستعادة إحساسه بالانتماء والانضباط، في ظل انفصاله عن الأسرة والبيئة الأصلية.
المقاعد الدراسية، حتى إن كانت في خيام بسيطة أو دور جماعية، تُعيد بناء روتين يومي يواجه الفوضى والخوف، ويفتح مساحة للتعبير عن الصدمات بطريقة أقل تدميرًا.
البحوث الميدانية تشير إلى أن الأطفال الذين يستمرون في التعليم رغم الحرب تقل لديهم معدلات القلق والاكتئاب، ويرتبط ذلك بحصولهم على فرصة للتواصل مع الأتراب، وبناء علاقات مع المرشدين والمعلمين الذين يصبحون مصادر للأمان العاطفي.
إعادة الأمل عبر التعليم
التعليم في زمن الحرب يحمل بُعدًا تحرريًا: فهو يمنح المهمّشين والمضطهدين لغة للتعبير عن معاناتهم، ويعزّز قدرتهم على تخيّل مستقبل خارج دائرة العنف.
في السياقات النزاعية، تصبح المدرسة مساحة للحوار، التفكير النقدي، وبناء الوعي بالحقوق، ما يساعد الأجيال على رفض خطاب الكراهية والانخراط في بناء مجتمعات أقل عدوانية.
التعليم أيضًا يعيد ربط الأفراد بمشروع حياتي مفتوح على المستقبل، بدل أن ينغلقوا في دائرة البقاء اليومي فقط.
هذا الأمل لا ينحصر في المعرفة الأكاديمية، بل يمتد إلى تدريب المهارات، والتمكين الاقتصادي، والانخراط في برامج إعادة الإعمار، مما يجعل التعليم أداة لبناء السلام من الداخل.
رغم أهمية التعليم، تواجه التجارب في مناطق الحرب تحديات جسيمة: تدمير البنية المدرسية، نزوح الكوادر التعليمية، نقص التمويل، وتحول الأولوية الإنسانية إلى المأكل والمأوى والرعاية الصحية.
كما تظهر فجوات رقمية حادة أمام التعليم عن بُعد، ما يهدد بتوسيع الفجوة بين من يستطيع الوصول إلى الإنترنت وبين من يظل محاصرًا في غياب بديل فعّال.
إضافة إلى ذلك، تغيب غالبًا مناهج معدّة خصيصًا للتعليم في النزاعات، مما يترك الأطفال عرضة لخطابات تكرّس العنف أو تحايد دور التعليم في إعادة بناء الهوية والذاكرة الجماعية.
توصيات للسياسات والممارسات
إدراج التعليم كأولوية إنسانية موازية للغذاء والرعاية الصحية، من خلال تخصيص ميزانيات طارئة وبرامج حماية للبنية التعليمية.
تطوير مناهج مختصرة للتعليم في حالات النزاع، تجمع بين المهارات الأساسية، المهارات الحياتية، والدعوم النفسية الاجتماعية.
تعزيز التكامل بين المنظمات الإنسانية والجهات التعليمية لضمان مواءمة البرامج مع احتياجات النازحين والمجتمعات المضيفة.
الاستثمار في التعليم الرقمي والهجين مع مراعاة الفجوة الرقمية، عبر توفير أجهزة بسيطة، وتدريب الكوادر، وبرامج تعليمية غير متطلبة للاتصال عالي السرعة.
خاتمة
التعليم في زمن الحرب ليس رفاهية إضافية، بل عمودًا أساسيًا لحماية الإنسان وتعزيز صموده النفسي والاجتماعي.
وعندما ننظر إلى التعليم كشريان حياة يسري في عروق المجتمعات المتدهورة، فإننا نعيد تأكيد أن أي مشروع لبناء السلام أو إعادة الإعمار لا يُبنى من دون مدرسة، ولا يتجذر من دون طفل يجلس على مقعد دراسي يحفظ فيه أمله قبل أن يحفظ دروسه.



