التنشئة الأخلاقية في عصر التفكك القيمي، قراءة تربوية ونفسية في الواقع السوداني

بقلم: د.كمال عبدالعزيز
تشهد المجتمعات المعاصرة تحولات عميقة ومتسارعة أثّرت بصورة مباشرة على منظومة القيم الأخلاقية، حيث أفرزت العولمة والتطور التكنولوجي وأنماط الحياة الحديثة حالة من التغير في المعايير التي تحكم السلوك الإنساني. وفي خضم هذه التحولات برز ما يُعرف بالتفكك القيمي، وهو حالة من الاضطراب وعدم الاتساق بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. وتزداد حدة هذه الظاهرة في المجتمعات التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية، كما هو الحال في السودان، مما يجعل من قضية التنشئة الأخلاقية مسألة مركزية في إعادة بناء الإنسان والمجتمع.
إن التنشئة الأخلاقية لا تقتصر على تلقين القيم، بل هي عملية معقدة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والتربوية. ومن منظور علم النفس التربوي، تتشكل الأخلاق عبر مراحل نمو ترتبط بالنضج المعرفي والتفاعل الاجتماعي. فقد أشار جيان بياجية إلى أن الطفل ينتقل من مرحلة الطاعة العمياء إلى مرحلة الفهم الواعي للقواعد، حيث يصبح قادرًا على إدراك العدالة من خلال التفاعل مع الآخرين. كما طوّر لورانس هذا التصور، مبينًا أن التفكير الأخلاقي يتدرج من مستوى قائم على الخوف من العقاب والمصلحة الشخصية، إلى مستوى أرقى يقوم على المبادئ والعدالة. أما البرت بندورا فقد ركّز على دور التعلم بالملاحظة، مؤكدًا أن الأفراد يكتسبون السلوك الأخلاقي من خلال تقليد النماذج المحيطة بهم، خاصة في البيئات التي تتكرر فيها أنماط سلوكية معينة. وفي السياق نفسه، يرى عالم النفس الكبير سجمند فرويد أن الضمير الأخلاقي يتكون عبر ما يُعرف بـ”الأنا الأعلى”، الذي يتشكل من خلال التنشئة الأسرية والضوابط الاجتماعية.
وعلى المستوى الفلسفي، نجد أن التفكير في الأخلاق قديم ومتجذر، حيث يرى ارسطو أن الفضيلة لا تُكتسب إلا بالممارسة والتكرار، وأن الأخلاق تقوم على تحقيق التوازن والاعتدال. بينما يؤكد كانط أن الفعل الأخلاقي الحقيقي هو ما يصدر عن شعور بالواجب، وليس عن منفعة أو خوف. أما جون ديو فيربط الأخلاق بالتجربة، ويرى أن المدرسة يجب أن تكون بيئة حية يتعلم فيها الفرد القيم من خلال الممارسة اليومية، وليس عبر التلقين النظري فقط.
وعند إسقاط هذه الرؤى على الواقع السوداني، تتجلى بوضوح مظاهر التفكك القيمي في عدة صور، أبرزها تراجع الثقة بين الأفراد، وانتشار العنف كوسيلة لحل النزاعات، وضعف الانتماء الوطني مقابل تصاعد الانتماءات الضيقة. كما أن الحروب والنزاعات المسلحة أسهمت في خلق بيئة نفسية واجتماعية مضطربة، أثّرت على الأجيال الناشئة، خاصة الأطفال الذين نشؤوا في سياقات العنف والنزوح. ومن منظور نظرية التعلم الاجتماعي، فإن التعرض المستمر لمشاهد العنف قد يؤدي إلى تطبيع هذا السلوك وإعادة إنتاجه. كما أن غياب الاستقرار قد يعيق انتقال الأفراد إلى مراحل متقدمة من التفكير الأخلاقي، حيث ينشغلون بتلبية احتياجاتهم الأساسية على حساب المبادئ.
ولا يمكن فهم أزمة القيم في السودان بمعزل عن العوامل البنيوية التي ساهمت في تشكيلها، مثل ضعف المؤسسات التعليمية، وتراجع دور الأسرة نتيجة الضغوط الاقتصادية، وغياب القدوة في المجالين السياسي والاجتماعي. كما أن الإعلام، في كثير من الأحيان، لا يؤدي دوره في تعزيز القيم، بل قد يسهم في نشر نماذج سلوكية سلبية، خاصة في ظل غياب الرقابة والتوجيه.
ومع ذلك، فإن الواقع السوداني لا يخلو من عناصر إيجابية يمكن البناء عليها، مثل قيم التكافل الاجتماعي، وروح التضامن في الأزمات، وهي قيم متجذرة في الثقافة المحلية. ومن هنا، فإن إعادة بناء المنظومة الأخلاقية لا تعني استيراد نماذج جاهزة، بل تتطلب توظيف هذه القيم الأصيلة في إطار تربوي حديث يستفيد من معطيات علم النفس التربوي.
إن تعزيز التنشئة الأخلاقية في السودان يتطلب مقاربة شاملة تبدأ بإصلاح النظام التعليمي، من خلال إدماج القيم في المناهج بطريقة تطبيقية، وتدريب المعلمين على أساليب الحوار وتنمية التفكير الأخلاقي. كما يستدعي الأمر دعم الأسرة وتمكينها من أداء دورها التربوي، إضافة إلى تفعيل دور المجتمع المدني في نشر ثقافة السلام والتسامح. وعلى المستوى النفسي، تبرز الحاجة إلى برامج دعم نفسي للأطفال والشباب المتأثرين بالحروب، لمساعدتهم على إعادة بناء تصورهم للعالم وللعلاقات الإنسانية.
وعليه، يمكن القول إن التنشئة الأخلاقية في عصر التفكك القيمي تمثل تحديًا كبيرًا، لكنها في الوقت ذاته فرصة لإعادة التفكير في أسس التربية وبناء الإنسان. وفي السياق السوداني، فإن هذا التحدي يكتسب بعدًا وجوديًا، حيث يرتبط بإمكانية بناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز آثار الصراع، والانطلاق نحو مستقبل قائم على العدالة والقيم الإنسانية.
3 ابريل 2026م



