مقالات الرأي

الثائر الأجوف… حين ينتقم المتساقطون من الثورة


بقلم: كمال محجوب (أرسطو)


لم تكن ظاهرة “الثائر الأجوف” جديدة في تاريخ الشعوب، بل تكررت في تجارب كثيرة للحركات الوطنية، ومنها التجربة السودانية. فهناك من يدخل العمل العام بدافع صادق لخدمة الوطن، وهناك من يراه فرصة للظهور وتحقيق المكاسب الشخصية. وحين تصبح الذات أكبر من القضية، يفقد العمل الوطني معناه، ويتحول النضال من رسالة للتغيير والبناء إلى وسيلة للوجاهة وتحقيق الطموحات الخاصة.
هذا النموذج لا ينشغل ببناء المؤسسات أو تقديم الأفكار والحلول، بقدر اهتمامه بإبراز ذاته وتضخيم دوره. فتراه يتحدث باستمرار عما أنجز، ومن التقى بهم، وأين ذهب، وكأن تاريخ الشعوب يصنعه الأفراد وحدهم، متناسيًا أن أي مشروع وطني ناجح يقوم على جهود جماعية وتضحيات قدمها آلاف المواطنين، لا على شخص واحد مهما كان موقعه.
ولأنه يفتقر إلى القناعة الحقيقية بالمبادئ، فإنه ينظر إلى الآخرين من خلال منظار المصلحة ذاته، ويعتقد أن الجميع تحركهم الدوافع الشخصية، فيعجز عن فهم معنى الالتزام بالقضية من أجل الوطن، لا من أجل المكاسب أو المواقع.
وفي السودان، كشفت السنوات الماضية أن بعض من تصدروا المشهد السياسي لم يستطيعوا التمييز بين خدمة القضية وخدمة الذات. وعندما لم تتحقق طموحاتهم الشخصية، تحول بعضهم إلى مهاجمة الثورة والتشكيك في أهدافها، لا بسبب اختلاف فكري حقيقي، وإنما لأنهم لم يجدوا المكانة التي كانوا يطمحون إليها.
وهنا تظهر أخطر مراحل “الثائر الأجوف”؛ فبدلًا من مراجعة نفسه والاعتراف بأخطائه، يختار الانتقام من المشروع الذي كان جزءًا منه، فينشر الإحباط، ويشكك في كل محاولة للإصلاح، ويصبح مستعدًا للتحالف مع أي جهة تحقق له مصلحة، حتى لو كان ذلك على حساب تضحيات الشعب وآلامه.
إن المتساقطين في طريق النضال لا يكتفون بالابتعاد عن الصفوف، بل قد يتحول بعضهم إلى خصوم للقضية نفسها، فيسعون إلى تشويه أهدافها وإضعاف الثقة بها، وكأن فشلهم الشخصي يمنحهم الحق في محاكمة مشروع شارك فيه الملايين. غير أن الثورات لا تُبنى على الأفراد، ولا تنهار برحيل الأشخاص، لأنها تستمد قوتها من إرادة الشعوب وإيمانها بالتغيير.
لقد أثبت التاريخ أن الأشخاص يرحلون، بينما تبقى القضايا العادلة. فالثورات لا تقوم على الأسماء، وإنما على المبادئ والحقوق التي تناضل الشعوب من أجلها. وما دام الناس يؤمنون بحقهم في الحرية والعدالة وإقامة دولة القانون، فإن محاولات التشويه والإحباط لن توقف مسيرة التغيير.
إن الدرس الذي ينبغي استخلاصه من التجربة السودانية هو أن القضية أكبر من الجميع، وأن من يجعل الوطن وسيلة لتحقيق مصالحه الشخصية سرعان ما يفقد مكانته في ذاكرة الناس، بينما يبقى من عمل بإخلاص ووضع المصلحة العامة فوق ذاته. فالتاريخ لا يخلد من أكثروا الحديث عن أنفسهم، بل يخلد من صدقوا مع أوطانهم ودافعوا عن قضايا شعوبهم بوعي وإخلاص.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x