الثائر الذي هزمته السلطة من الداخل قبل أن تهزمه في الميدان

بقلم: د. كمال عبدالعزيز
من أخطر الأزمات التي تواجه المجتمعات الخارجة من الحروب والصراعات أن يتحول بعض الثوار من مشروع مقاومة إلى جزء من منظومة السلطة التي كانوا يقاتلونها. وفي الحالة السودانية، يبدو هذا المشهد واضحاً وسط الفوضى السياسية والعسكرية التي أعقبت الحرب، حيث اختلطت الشعارات الوطنية بالمصالح الشخصية، وتحولت بعض القوى المسلحة من خطاب التغيير والتحرير إلى خطاب التبرير والاصطفاف خلف السلطة نفسها التي ساهمت في صناعة الأزمات.
لقد جاءت الحرب في السودان وسط انهيار طويل للدولة الوطنية، وتراكم عقود من الاستبداد، واستخدام الانقسامات القبلية والجهوية كأداة للحكم والسيطرة. ومع اندلاع ما سُمي بـ”حرب الكرامة”، حاولت السلطة تقديم الحرب باعتبارها معركة وطنية للدفاع عن الدولة والهوية والسيادة. لكن الواقع على الأرض كشف أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد معركة عسكرية، إذ تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للفوضى والانقسام والانهيار الإنساني والسياسي، بينما لا يكترث المستفيدون بحجم الأضرار، إذ ينصب اهتمامهم على استعادة أتباعهم إلى بيت الطاعة بصورة مخجلة ومفضوحة.
المفارقة المؤلمة أن بعض الشخصيات والقوى التي رفعت السلاح سابقاً ضد القمع والاستبداد عادت لتقف في صف السلطة تحت مبررات مختلفة؛ مرة باسم الواقعية السياسية، ومرة باسم حماية الدولة، ومرة بدعوى مواجهة خطر أكبر. لكن هذا التحول كشف هشاشة المشروع الثوري عند البعض، لأن الثورة التي لا تستند إلى وعي أخلاقي ومشروع وطني جامع يمكن احتواؤها بسهولة داخل منظومة القوة القديمة.
في Political Psychology، تُفهم هذه الظاهرة باعتبارها نوعاً من “التطبيع النفسي مع السلطة”، حيث يعتاد الفرد أو الجماعة على منطق القوة إلى درجة يصبح معها الاقتراب من السلطة أكثر أماناً من مواجهتها. ومع الوقت، يتحول الخوف من فقدان النفوذ أو الامتيازات إلى دافع أقوى من المبادئ التي حملها الثائر في بداية الطريق. وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية: ليست هزيمة في المعركة، بل هزيمة داخل الوعي والضمير، وهي الأخطر لأنها تجعل الإنسان أكثر قابلية للاستعباد.
إن خطاب “حرب الكرامة” نفسه يعكس تناقضاً كبيراً في المشهد السوداني. فالكرامة لا تُبنى فقط بالشعارات العسكرية وإعادة احتضان المليشيات، بل بحماية المدنيين، واحترام الإنسان، وإيقاف خطاب الكراهية، ومحاكمة المجرمين الذين أصبح بعضهم الآن تحت حماية السلطة في بورتسودان، والاتجاه نحو بناء دولة العدالة والقانون. أما حين تصبح الحرب سبباً في اتساع دائرة النزوح والجوع والانقسام، فإن السؤال الأخلاقي يصبح مشروعاً: أي كرامة يمكن أن تنمو فوق أنقاض المدن ودماء الأبرياء واستعادة القتلة؟
الأزمة السودانية اليوم ليست فقط أزمة سلاح، بل أزمة وعي سياسي وأخلاقي وفكري. فالكثير من القوى ما تزال أسيرة لعقلية الغلبة، حيث يُنظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة لا عقداً اجتماعياً بين المواطنين. ولهذا تتكرر التحالفات المتناقضة، وينتقل بعض القادة من خندق الثورة إلى خندق السلطة دون مراجعة حقيقية أو اعتذار أخلاقي تجاه الضحايا الذين دفعوا ثمن تلك التحولات.
إن الثائر الذي تهزمه السلطة من الداخل يصبح أكثر خطورة من الطاغية نفسه، لأنه يمنح الاستبداد شرعية جديدة باسم الثورة. وعندما تتحول البنادق من أدوات مقاومة إلى أدوات مساومة سياسية، يفقد الناس ثقتهم في النضال، ويصبح المجتمع أكثر ميلاً لليأس والانقسام.
وعليه، فإن السودان اليوم يحتاج إلى مشروع وطني يتجاوز القبيلة والجهة والمصالح الضيقة، مشروع يعيد تعريف الكرامة باعتبارها كرامة الإنسان السوداني كله، لا كرامة السلطة أو الجماعة المسلحة المنتفعة من الحروب ومعاناة الشعوب. لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدالة والصدق والقدرة على مقاومة إغراء القوة حين تتحول الثورة نفسها إلى طريق نحو الاستبداد.
أوقفوا_الحرب
نحو حوار سوداني_سوداني
17 يونيو 2026م



