الثورة لا تخسر بمن يغادرها: التاريخ يفرز الصامدين والمترددين

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
إن مسيرة النضال من أجل بناء دولة المؤسسات والحق وسيادة القانون ليست طريقًا قصيرًا أو مرحلة عابرة، بل هي مسار تاريخي طويل تختبر فيه الشعوب قدرتها على الصمود، وتكشف فيه المواقف الحقيقية للأفراد والقوى التي تحمل مشروع التغيير.
فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بارتفاع الشعارات أو بحجم الحماس في لحظات القوة، وإنما بقدرة أصحابها على الثبات عندما تتحول المبادئ إلى مسؤولية، وعندما يصبح الالتزام بالقضية مرتبطًا بالصبر والتضحية وتحمل تبعات الطريق.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات الكبرى لم تكن مجرد لحظات غضب ضد الظلم، بل كانت تحولات عميقة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالسلطة والحقوق والعدالة. فمن الثورات التي أسقطت أنظمة الامتيازات والهيمنة، إلى حركات التحرر الوطني التي أنهت عصور الاستعمار، ظل العامل الحاسم هو قدرة أصحاب المشروع على الاستمرار رغم الصعوبات والانقسامات والتحديات.
وفي السياق السوداني، لا يمكن فهم مشروع التغيير بمعزل عن جذور الأزمة التاريخية التي ظلت تؤثر في بناء الدولة منذ الاستقلال. فالأزمة السودانية ليست وليدة لحظة سياسية عابرة، وإنما نتاج تراكمات ارتبطت باختلال توزيع السلطة والثروة، وغياب العدالة، واستمرار التهميش بين المركز والأطراف. ولذلك فإن معركة التغيير ليست مجرد صراع سياسي، بل هي محاولة لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية والحقوق وسيادة القانون.
إن مسار النضال الطويل يكشف دائمًا عن تفاوت المواقف؛ فهناك من ينظر إلى التغيير باعتباره مشروعًا تاريخيًا لبناء مستقبل جديد، وهناك من يتعامل معه باعتباره مرحلة مرتبطة بالحماس أو المصالح المؤقتة. وعندما تصبح الطريق أكثر صعوبة، تظهر حقيقة الالتزام، ويكشف الاختبار الفرق بين من يحمل القضية كمسؤولية، ومن يرتبط بها بظروفها السهلة.
لقد عرفت التجربة السودانية، منذ الاستقلال مرورًا بمحطات الصراع السياسي والمقاومة الشعبية والكفاح المسلح في مختلف أقاليم البلاد، ظاهرة التراجع عند ارتفاع كلفة التغيير. فبعض القوى والأفراد الذين شاركوا في لحظات التحول الكبرى فقدوا القدرة على مواصلة الطريق عندما احتاج المشروع إلى صبر طويل ورؤية تتجاوز المكاسب العاجلة.
إن هذا التراجع لا يعني فشل الفكرة أو سقوط القضية، بل يعكس حدود القدرة على الاستمرار وتحمل أعباء النضال. فالثورة لا تخسر بمن يغادرها، لأن الأفكار الكبرى لا تقوم على الأشخاص، وإنما تستمد قوتها من عدالة أهدافها وارتباطها بتطلعات الشعوب.
ومن يختار الانسحاب من طريق التغيير هو صاحب موقف يحق له مراجعته ونقده، لكن تحويل هذا الانسحاب إلى خطاب دائم للمظلومية لا يعالج جوهر القضية. فالمراجعة الصادقة تبدأ بمواجهة الذات، والاعتراف بأن طريق بناء الأوطان يحتاج إلى صبر ومسؤولية، وليس فقط إلى الشعارات والمواقف العابرة.
إن الثورة لا تطرد أبناءها، لكنها تكشف مواقفهم. فهي تميز بين من يواصل الطريق رغم الصعوبات، ومن يتراجع عندما تصبح التضحيات ضرورة. والتاريخ لا يحكم على الناس بما أعلنوه فقط، بل بما فعلوه عندما واجهوا لحظات الاختبار.
إن مشروع بناء السودان الجديد، القائم على الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، ليس قضية مرتبطة بأفراد أو جماعات بعينها، بل هو امتداد لحاجة تاريخية لبناء دولة عادلة تستوعب جميع مواطنيها. فالدول لا تنهض إلا عندما تعالج جذور أزماتها، وتؤسس لعلاقة جديدة بين المواطن والدولة تقوم على الحقوق والمسؤولية.
وفي النهاية، فإن رايات المشاريع الكبرى لا تتوقف عند غياب بعض المشاركين، ولا تسقط بخروج من اختاروا الابتعاد، بل تستمر بإرادة الذين يملكون الصبر والوعي والقدرة على مواصلة الطريق. فالتاريخ لا تصنعه لحظات التردد، وإنما تصنعه مواقف الثبات عندما تصبح العدالة والحرية مسؤولية وتضحية.



