مقالات الرأي

الثورة من الداخل: قراءة في كتاب د. مجدي إسحاق

بقلم: د. كمال عبدالعزيز

في زمنٍ تموج فيه المجتمعات بالأزمات، ويبحث الناس عن طريق الخلاص من أنظمة القهر والعجز، يطلّ علينا د. مجدي إسحاق بكتابٍ فكري عميق يعيد تعريف الثورة من جذورها، تحت عنوان “ثورة من منظور علم النفس السياسي”، ليؤكد أن الثورة الحقيقية لا تبدأ من الشارع فقط، بل من داخل النفس.
هذا الكتاب ليس مجرد تنظير سياسي، بل هو دعوة صريحة لإعادة بناء الإنسان ليكون مستعدًا للتغيير قبل الحديث عن إسقاط النظام.

الفكرة الأساسية في الكتاب أن الثورة تبدأ من الذات، وعليه ينطلق د. مجدي من رؤية جذرية ترى أن النظام القهري لا يُسقطه التظاهر وحده رغم أهميته، بل تفكيك البنية النفسية التي تدعمه داخل الناس. فالأنظمة المستبدة لا تُبنى فقط بالقمع، بل بالخوف المزروع في النفوس. وهنا يكمن عمق الرسالة: لا يمكن لشعبٍ أن يتحرر سياسيًا وهو لا يزال سجينًا نفسيًا.
وكما يقول الكاتب: “الثورة ليست كسرًا للنظام فقط، بل كسرًا للخضوع داخلك أولًا.”

ويؤكد أن الثورة وعي جماعي لا فعلًا غاضبًا، فمن منظور علم النفس السياسي تُفهم الثورة على أنها حركة وعي جماعي ضد القهر بكل صوره. قد تتطبع الشعوب مع الاستبداد لسنوات طويلة، لكن حين يبلغ الألم النفسي حدًا لا يُحتمل، يتحول الخضوع إلى رفض.
هنا تنفجر الثورة، لا كحدث عابر، بل كنتيجة طبيعية لوعيٍ تراكمي بدأ منذ لحظة الرفض الأولى داخل الذات.

يتعمق الكتاب حول النظام القهري حين يُربّى الإنسان على الخوف، في تحليل البنية النفسية للأنظمة القهرية، مبيّنًا أن الاستبداد لا يبدأ من القصر، بل من البيت والمدرسة والمجتمع الذي يُربّي أبناءه على الطاعة العمياء. القمع يبدأ عندما يُمنع الطفل من السؤال، ويُقال له إن الطاعة فضيلة، وإن الخوف من السلطة حكمة. كما يقول الكاتب: “السلطة القهرية لا تحتاج إلى جيوش، يكفيها أن تُربّيك على الطاعة.”

ويبقى الإنسان المقهور ضحية الخوف والتبرير، ولذلك يشرح د. مجدي كيف يُصنع الإنسان المقهور عبر أربع آليات:
أولًا، يُمنع من التفكير الحر حول الصواب والخطأ، فيمرر كل شيء دون سؤال، وواقعنا يحكي عن هذا كثيرًا هذه الأيام.
ثانيًا، يُجبر على الصمت والطاعة رغم إدراكه أن ما يُقال فيه الكثير من اللبس.
ثالثًا، يُربّى على أن الخوف فضيلة والطاعة واجب، مما يُغيّب الحق والحقيقة في حياة الناس.
ورابعًا، يُغرس فيه كره المختلف، أيًّا كان ثقافيًا أو اجتماعيًا. وعندها لا يرى الإنسان نفسه إلا في عيون سيده الحاكم المتحكم، كما يقول الكاتب: “الإنسان المقهور لا يرى نفسه، بل يرى في عيون سيده.”غياب الذات هو غياب صاحب الشأن في التغيير نحو الأفضل.

ويبقى بين الجلاد والضحية أدوار متبادلة في دائرة القهر. يُبرز المؤلف ببراعة الأدوار النفسية داخل النظام القهري: الجلاد يمارس القهر وينشره، والضحية تصمت خوفًا، والمتواطئ بالمقابل يبرر للنظام ويحميه، مثلما يفعل بعض إعلاميي اليوم في بلادنا، والثائر يرفض ويقاوم ويصرّ على إنهاء الظلم والقهر. لكن الأخطر من النظام نفسه هو أن يتحول القهر إلى جزء من هوية الإنسان، فيحاول المجتمع والأفراد التعايش معه دون مقاومة. فكما يقول: “الطاغية لا يعيش في القصر فقط، بل في قلب كل من يخاف أو يبرر الطغيان.”

ويبقى السؤال: متى تنفجر الثورة؟ بحسب وصف الكاتب، الثورة لا تنفجر صدفة، بل حين تتلاقى ثلاثة عناصر أساسية: يتقدمها وعي الفرد والجماعة بالظلم، ورفض الرضوخ لما يحدث من فوضى وقهر، ثم الأمل في بديل، وهو الأهم في معادلة التحرر الذاتي والجماعي.
حينها فقط تتحول الشعوب من الخوف إلى الحلم، ومن الألم إلى الفعل. ويقول: “الثورة تولد عندما تتوقف الشعوب عن الخوف، وتبدأ في الحلم.”

وللتدقيق في نجاح الثورة، هناك شروط للثورة الناجحة، لأن الثورات لا تنجح بالعنف فقط كما يعتقد البعض، خصوصًا في التجربة الثورية المسلحة السودانية التي أهملت الوعي، بل بالنضج النفسي الذي يبدأ بالتحرر من عقلية الضحية وتجاوز الرغبة في الانتقام. الثورة الناضجة هي التي تبني وعيًا جماعيًا لا غوغائيًا، وتمنع إعادة إنتاج نفس النظام بوجوه جديدة أو بطرق مختلفة. ويقول: “من لم يتحرر داخليًا، سيبني سجنه بنفسه بعد سقوط السجن القديم.” كمن يشرب كأس السم مرة أخرى بعد نجاته الأولى.

الثورة تحرير للإنسان من الكراهية، ويدعو د. مجدي إلى ثورة لا تكتفي بإسقاط الحاكم، بل تحرر الإنسان من الكراهية والخوف والضعف.
فالثائر الذي لا يشفي جراحه النفسية سيصبح جلادًا حين تسنح له الفرصة. “الثائر الذي لا يشفى من جراحه، سيصبح جلادًا حين تسنح له الفرصة.” وهي إعادة لنظام القهر بأيدي الثوار أنفسهم.

ويبقى جوهر رسالة الكتاب ضرورة الوعي قبل الحرية المرتقبة. في النهاية، يختصر د. مجدي إسحاق فكرته الجوهرية في عبارة بليغة: “لا تُوجد حرية بلا وعي، ولا وعي بلا ألم.” وعليه، فالثورة كما يراها، ليست لحظة غضب، بل مسار من الشفاء والوعي والتحول الداخلي.

16 نوفمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x