مقالات الرأي

الجبهة الشعبية المتحدة – القطاع الطلابي لحركة/ جيش تحرير السودان: تاريخ النضال داخل الجامعات والشارع العام وذاكرة الشهداء


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


منذ اللحظة التي بدأ فيها وعي الشباب السوداني يتشكل داخل قاعات الجامعات وممراتها وساحاتها المفتوحة، برزت الجبهة الشعبية المتحدة – القطاع الطلابي لحركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور كواحدة من أكثر الحركات الطلابية وضوحًا في الموقف، وصلابةً في الرسالة، وجرأةً في تحدّي الأنظمة القمعية والذهنية المركزية التي حكمت السودان لعقود طويلة. هذا القطاع الطلابي لم يكن مجرد ذراع تنظيمية للحركة داخل الحرم الجامعي، بل كان وما يزال الضمير الوجداني والفكري لمشروع كبير يسعى إلى إعادة بناء السودان على أسس جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، والحرية، والديمقراطية، وهي قيم حملها الطلاب في قلوبهم قبل أن يرفعوها في الشوارع، ودفعوا من أجلها أثمانًا باهظة تُسجَّل اليوم كجزء أصيل من تاريخ المقاومة الوطنية السودانية.
لقد جاءت الجبهة الشعبية المتحدة إلى الجامعات في زمنٍ كانت فيه الدولة تحاول احتكار الحقيقة، وإسكات الأصوات المستقلة، وإعادة تشكيل الهوية القومية على أسس تخدم السلطة وتقصي الهامش. وهنا أدرك طلاب الحركة أن المعركة ليست معركة سياسية فقط، بل معركة وعي، وأن الجامعة ليست مكانًا للدراسة فحسب، بل ميدانًا لصراع الأفكار ومختبرًا لتخيُّل السودان الذي يستحقه شعبه. ومع بداية نشاطها، أدخلت الجبهة لغة جديدة إلى الخطاب الطلابي، لغة لا تعتمد على الشعارات التقليدية، بل على الربط المباشر بين معاناة الناس في دارفور وجبال النوبة والشرق والخرطوم، وبين مفهوم الدولة المدنية التي نادت بها الحركة منذ تأسيسها. كانوا يقولون: «لا يُمكن لجامعة حرة أن تقوم فوق وطنٍ مقسمٍ بالعنصرية والتمييز»، وكما قال أحد قيادات الحركة في أحد لقاءاته الشهيرة: «الثورة ليست نداء غضب، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان»؛ ولذلك حمل الطلاب هذا المبدأ كقانون داخلي لا يسقط بالتقادم.
داخل الجامعات، واجهت الجبهة الشعبية المتحدة أعتى أشكال التضييق، من منع الأنشطة، وهجمات مليشيات طلابية مدعومة من السلطة، وحرمان من المنابر، واعتقالات متكررة، لكن كل تلك المحاولات لم تؤدِّ سوى إلى زيادة إصرار الطلاب. فقد آمنوا بأن كسر الصوت الحر داخل الجامعة يعني كسر روح السودان نفسه، وأن السماح للعنف بالتمدد داخل الحرم الأكاديمي يعني تسليم مستقبل البلاد للخراب. لذلك ابتكروا أساليب مقاومة مختلفة: من الجداريات الثورية التي تُكتب ليلًا تحت الخطر، إلى الحلقات النقاشية السرية، إلى الندوات العامة المفتوحة رغم التهديد، إلى البيانات التحليلية التي كانت تُوزع في أعمق نقاط الجامعة رغم المراقبة. كان من الواضح أن الجبهة الطلابية لا تحارب فقط من أجل الظهور، بل من أجل تثبيت حق أساسي: الجامعة ليست ملكًا للسلطة، بل ملكًا للطلاب والشعب.
ومع مرور الزمن، لم يقتصر دور الجبهة على الحرم الجامعي، بل تمدّد إلى الشارع العام، حيث تحوّل طلابها إلى طليعة في الحراك الجماهيري، يقودون المواكب، ينظمون الاعتصامات، يشاركون في حملات التوعية، ويقفون جنبًا إلى جنب مع عامة المواطنين في لحظات المواجهة الكبرى. في شوارع الخرطوم ومدني ودارفور وبقية الولايات، ارتفع صوت الجبهة عاليًا: وطن واحد، عدالة واحدة، مواطنة واحدة، كرامة واحدة. حتى أصبح وجود طلاب الجبهة في مقدمة المواكب مشهدًا مألوفًا، وكأنهم يقولون للسلطة: «لن تُخيفونا… فنحن أبناء وطنٍ لا يعرف الركوع». وكما قال أحد شباب الحركة في إحدى لحظات المواجهة: «إذا تراجع الطالب تراجع الوطن، وإذا صمد الطالب صمدت الأمة»، وكان هذا القول يعكس عمق الدور التاريخي الذي لعبه القطاع الطلابي في صناعة التحولات الكبرى في السودان.
وفي هذا الطريق الشاق، ارتفع شهداء الجبهة الشعبية المتحدة، أولئك الذين لم يحملوا السلاح، لكنهم حملوا شجاعة تفوق السلاح، وواجهوا الرصاص بصدورٍ مفتوحة. بعضهم استشهد داخل الجامعة أثناء اقتحامات دموية قصدت تكميم الأصوات الثورية، وبعضهم ارتقى أثناء المواكب في الشارع، وبعضهم فُقد أثره لأن السلطة أرادت أن تُغلق ملفه، لكن الذاكرة الشعبية رفضت ذلك. هؤلاء الشهداء لم يكونوا مجرد أرقام، بل كانوا صفحات مضيئة في دفتر الحرية، وأسماء محفوظة في صدور رفاقهم، ومشاعل لا تنطفئ. كانوا يقولون دائمًا في الجبهة: «دم الشهيد ليس قصة، بل وصية»، ولذلك تتحول كل ذكرى إلى عهد جديد بمتابعة الطريق. وكما قال أحد نشطاء الحركة في تأبين أحد الشهداء: «نحن لا نبكيكم… نحن نشتعل بكم»، وهو قول يلخّص علاقة الجبهة بشهدائها: علاقة امتداد لا فراق.
ولم يكن نضال الجبهة الشعبية المتحدة مجرد فعل احتجاجي، بل كان فعلًا فكريًا بامتياز. فالطلاب لم يكتفوا بمواجهة السلطة، بل واجهوا أيضًا المفاهيم التي كرّست التمييز والتهميش لعقود، وطرحوا أسئلة جديدة حول معنى الدولة، ومعنى العدالة، ومعنى السودان الذي يريدونه. ناقشوا مفهوم الدولة اللامركزية الذي طرحته الحركة باعتباره الطريق الحقيقي لتحقيق المواطنة المتساوية، وتحدثوا عن العدالة الانتقالية باعتبارها منهجًا لجبر الضرر وردّ الحقوق، وعن ضرورة بناء سلام يعالج جذور الأزمة بدل إعادة تدويرها. وفي هذا كله، كانوا يستلهمون الموقف الأخلاقي للحركة التي ظلت ثابتة على مبادئها رغم كل الضغوط، والتي قالت مرارًا: «لا سلام دون عدالة، ولا عدالة دون اعتراف، ولا اعتراف دون شجاعة».
وقد أثمرت هذه المدرسة الثورية عن جيل كامل خرج من الجامعات لا ليبحث عن وظيفة فحسب، بل ليبني وطنًا. الكثير من أعضاء الجبهة الشعبية المتحدة أصبحوا اليوم قادة في منظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة والمراكز البحثية والمنابر الإعلامية، لأنهم لم يتعلموا في الجامعة المناهج الأكاديمية فقط، بل تعلموا أيضًا المناهج الأخلاقية التي تضع الإنسان أولًا، والكرامة فوق كل شيء. كانوا يقولون في اجتماعاتهم: «الجامعة تبدأ في القاعات… لكنها لا تنتهي عند البوابات»، ولهذا حملوا وعيهم إلى الشارع وإلى المجتمع وإلى الساحة السياسية الأوسع.
واليوم، بعد أن دخل السودان مرحلة الحرب الشاملة التي مزقت المدن والقرى، تقف الجبهة الشعبية المتحدة – القطاع الطلابي – كما وقفت دائمًا، على المبدأ ذاته: الحياد الأخلاقي، ورفض الحرب، ورفض الانحياز لأي طرف مسلح، والتمسك بقيم الحركة الثابتة التي دعا إليها الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور منذ البداية: حماية المدنيين، نبذ الكراهية، رفض العنصرية، والمطالبة ببناء وطن يتساوى فيه الجميع دون تمييز. لقد ظل هذا الموقف ثابتًا لأن الحركة لم تُبنَ على رغبة في السلطة، بل على رغبة في إنقاذ الوطن من التمزق الذي حذرت منه لسنوات. وكما قال أحد قياداتها: «نحن لا نقف في المنتصف هروبًا من الحقيقة، بل نقف في صفّ الإنسان ضد الحرب».
إن تاريخ الجبهة الشعبية المتحدة القطاع الطلابي هو تاريخ وعي وصمود ونضال طويل، تاريخ جيلٍ قرر ألا يرث أخطاء الماضي، بل يبني مستقبلًا يستحقه السودان. هو تاريخ طلاب واجهوا العنف بالعقل، وواجهوا التهميش بالوعي، وواجهوا الظلم بالإصرار، وواجهوا الرصاص بالحلم. هو تاريخ وطن صغير داخل وطن كبير، وطن اسمه الجامعة، لكنه يمتد ليشمل كل السودان. هو تاريخ شهداء صعدوا بأجسادهم وغابوا، لكنّهم تركوا وعيًا لا يموت، وعهدًا لا ينكسر، وذكرى لا تُنسى.
وبين الماضي والحاضر، يبقى المستقبل مَدينًا لهؤلاء الطلاب الذين حملوا عبء الوعي في زمن الخراب، وقالوا كما قال أحد القادة الثوريين الأفارقة: «إذا لم تصنع الأجيال طريقها، صنعتها الأنظمة على مقاسها»، ولذلك صنعت الجبهة طريقها بعزيمتها، وشجاعتها، وبوصية الشهداء، وبمبادئ الحركة التي تضع الإنسان أولًا، والوطن فوق الجميع.
فهذا هو تاريخ الجبهة الشعبية المتحدة… تاريخٌ مكتوبٌ بالحبر والدم والصوت والوعي، تاريخٌ لا يُقرأ فقط… بل يُعاش.
بتاريخ: 30نوفمبر2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
ابراهيم يوسف عبدالله
ابراهيم يوسف عبدالله
3 شهور

نقاوم ولا نساوم لقدام يا مستنير ومزيد من التقدم والنجاح

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x