الجيش بين ظلّ الله والضمير الغائب: الإسلامين وأزمة الإختراق في بنية الدولة السودانية

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
في قلب العواصف التي تمزق السودان منذ عقود، وفي عمق الجرح الوطني الذي ما زال ينزف بلا توقف، تبرز واحدة من أعقد أزمات الوعي السياسي والضمير الوطني: أزمة اختراق الإسلاميين لبنية الدولة، وتحديدًا للمؤسسة العسكرية التي كان يُفترض أن تكون حارسة للوطن لا خادمًا لمشروع أيديولوجي. هذه الأزمة ليست حادثة طارئة في التاريخ السوداني، بل هي ثمرة تراكم طويل من التلاعب بالدين والهوية والسلطة، حتى أصبح الجيش الذي وُلد من رحم الشعب أداة تُستخدم لإعادة إنتاج الاستبداد باسم الله والوطن.
إنها ليست مجرد أزمة سياسية، بل أزمة ضميرٍ ووجدانٍ ووعيٍ جمعي، أزمة فقدان الحدّ الفاصل بين المقدس والمصلحة، بين الولاء للدولة والانتماء للحزب، بين روح الدين وجسد السلطة. ولعل هذا هو ما يجعلها أعمق من أي صراع على الكراسي أو الوزارات، فهي تعكس اختلالاً في فلسفة الحكم نفسها، حيث تماهى المشروع الإسلاموي مع بنية الدولة العسكرية حتى بات يصعب التمييز بينهما.
● الجذور التاريخية للاختراق — حين صار الجيش ظلًّا للحركة
بدأت قصة الاختراق منذ سبعينيات القرن الماضي حين أدركت الحركة الإسلامية أن مفاتيح الدولة السودانية تمر عبر الجيش. فبدأت عملية طويلة من “التمكين” بهدوء وصبر، من المدارس العسكرية إلى الوزارات إلى أجهزة الأمن. حتى جاء انقلاب 30 يونيو 1989، فكان إعلانًا رسميًا عن اكتمال السيطرة — حين دخل الإسلاميون إلى القصر عبر فوهة البندقية ورفعوا شعار “هي لله”.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الجيش السوداني مؤسسة وطنية جامعة، بل صار امتدادًا لمشروع سياسي يرى في نفسه المخلّص الإلهي للأمة. تمّت إعادة صياغة المفاهيم داخل صفوفه: الولاء لله أُعيد تفسيره ليعني الولاء للحركة، وحماية الوطن صارت حماية للنظام.
كما قال أحد الضباط المنشقين ذات يوم: “لم نعد جنودًا للوطن، بل حراسًا لأحلام الفقيه”.
هذا التحالف بين المقدّس والسلاح هو الذي أدخل السودان في دوّامة من الانقلابات والحروب، وجعل المؤسسة العسكرية مسرحًا للصراع الأيديولوجي بدل أن تكون رمزًا لوحدة البلاد.
● الضمير السياسي الغائب — أزمة الدين في قلب الدولة
لقد كان أخطر ما فعله الإسلاميون أنهم لم يكتفوا بالسيطرة على مؤسسات الدولة، بل سلبوا روحها. فحين تتحول المؤسسة العسكرية إلى أداة في يد جماعة ترى نفسها “ظلّ الله على الأرض”، يتحوّل الوطن كله إلى ميدان اختبار لعقيدتها.
هكذا تحوّلت القيم الدينية من نورٍ يهدي الضمير إلى عصا تبرّر القمع، وصار الخطاب الإيماني درعًا تُخفى وراءه المصالح.
كما قال نيلسون مانديلا: «الاستبداد باسم الله أكثر قسوة من الاستبداد باسم الملك».
وهكذا وُلد في السودان نوع جديد من الاستبداد — استبداد مُتدين — يغسل الدم بالآيات، ويبرّر الظلم بخطب الجمعة.
هذه الأزمة ليست في الدين ذاته، بل في استخدامه أداةً للسلطة، وفي غياب الضمير السياسي الذي يفرّق بين الإيمان كقيمة روحية، والتديّن كوسيلة سياسية.
ومن هنا، تتجلّى المأساة السودانية كأزمة ضمير أكثر من كونها أزمة نظام، إذ سقطت الدولة في فخ “تديين السياسة” حتى اختنق فيها المعنى الأخلاقي للدولة المدنية الحديثة.
● الحرب الحالية (2023–2025) — عودة الأشباح القديمة
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ظنّ البعض أن المشهد سيكشف عن صراع بين مركزين للسلطة، لكن سرعان ما تبيّن أن وراء الدخان يختبئ مشروع قديم يحاول العودة بملامح جديدة.
فقد وجد الإسلاميون في هذه الحرب فرصة لإعادة التموضع؛ أعادوا ربط خيوطهم داخل الجيش، وبدأوا يظهرون كـ“حماة الوطن ضد التمرد”، وكأنهم لم يكونوا أصل الداء.
لقد أعادت الحرب إنتاج الخطاب الذي لطالما برعوا فيه: “نحن أهل العقيدة في وجه المرتزقة”، “نحن جيش الله في مواجهة الفتنة”.
تحت هذا الشعار الزائف تسلّلوا من جديد إلى داخل مؤسسات القرار العسكري، وبدأت دوائر إعلامية تمجّد رموزًا سقطت أخلاقيًا منذ زمن.
لكن الحقيقة أن هذه الحرب ليست سوى مرآة تعكس انقسام الضمير الوطني نفسه: بين من يرى في الجيش مؤسسة للشعب، وبين من يراه أداة لحماية المشروع الإسلاموي.
كما قال جون قرنق ذات يوم: «مشكلتنا ليست بين الشمال والجنوب، بل بين من يملكون الدولة ومن تُمارس عليهم الدولة».
واليوم، بعد عقود من الدم، ما زالت تلك المعادلة قائمة — فقط تغيّرت الأسماء.
الحرب الحالية لم تعد فقط صراعًا على السلطة، بل صراع هوية الدولة نفسها: هل تكون دولة مواطنة ومؤسسات، أم دولة عقيدة وسلاح؟
وكلما طال أمدها، ازداد وضوح أن غياب مشروع وطني موحّد يجعل من الجيش والإسلاميين وجهين لعملة واحدة في إدارة الخراب.
● بنية التمكين وآليات السيطرة
لقد اخترق الإسلاميون الجيش عبر أربعة مسارات متكاملة:
- المسار العقائدي: بتربية ضباطٍ على مفاهيم “الجهاد” و”التمكين”، وربط الخدمة العسكرية بفكرة “الدفاع عن الإسلام” لا الدفاع عن الدولة.
- المسار التنظيمي: بإدخال كوادرهم في المؤسسات العسكرية والأمنية، وتأسيس خلايا سرية داخلها.
- المسار الاقتصادي: بالتحكم في موارد الجيش وشركاته واستثماراته، حتى أصبح الاقتصاد الوطني مرتهنًا لمنظومة مغلقة من المصالح.
- المسار الإعلامي والدعوي: عبر خطاب ديني يُشيطن الخصوم ويقدّس المؤسّسة، ليخلق لدى المواطن شعورًا بالذنب إن هو انتقد الجيش أو طالب بإصلاحه.
بهذه الآليات تمّت إعادة صياغة الجيش ليصبح “أمة داخل الأمة”، وكيانًا ميتافيزيقيًا فوق المساءلة، بينما الحقيقة أنه جهاز دولة كسائر الأجهزة، يجب أن يخضع للشعب لا العكس.
● الضمير الوطني كبديل فلسفي
حين تسقط الدول في فخ الأيديولوجيا، لا يُنقذها سوى الضمير.
والضمير السياسي في السودان — كما وصفه أحد المفكرين الشباب — «غاب حين صار الوطن فكرة حزبية لا وجدانية».
فالمطلوب اليوم ليس فقط إسقاط نظام أو محاسبة فاسدين، بل إحياء الضمير الوطني الجمعي، ذاك الذي يعيد تعريف الانتماء: لا للقبيلة، لا للدين، لا للحزب، بل للإنسان السوداني.
كما قال تشي جيفارا: «الثائر الحقيقي تحركه مشاعر الحب»، لا الكراهية ولا الانتقام.
ومن هذا الحبّ بالذات يولد الوعي الذي يحرر الجيش من سطوة العقيدة السياسية، ويعيده إلى موقعه الطبيعي: مؤسسة تحمي الوطن لا تهيمن عليه.
● دولة المواطنة المتساوية
هنا يبرز مشروع حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور كأحد أهم الرؤى البديلة في المشهد السوداني المعاصر.
فهو لا يطرح مجرد شعارات، بل مشروعًا أخلاقيًا عميقًا يعيد تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على عقيدة الحزب أو طائفة الدين.
كما قال عبدالواحد: «لن نبني سلامًا فوق جثث العدالة، ولن نؤسس وطنًا على الكراهية».
بهذه البصيرة، يتحول النضال من مجرد صراع سياسي إلى مشروع وطني يستعيد إنسان السودان في جوهره.
دولة المواطنة ليست حلمًا بعيدًا، بل ضرورة تاريخية لإنقاذ السودان من التمزق الأبدي، وهي وحدها الكفيلة بإنهاء احتكار المؤسسة العسكرية للدولة، وتفكيك الارتباط العضوي بين الإسلاميين والجيش.
● نحو ضمير جديد — الثورة كيقظة روحية
إن ثورة ديسمبر المجيدة لم تكن مجرد هتاف ضد الطغيان، بل كانت صرخة ضمير وعودة وعي.
كانت الثورة تذكيرًا بأن الوطن ليس سلعة، وأن دماء الشهداء ليست ماءً.
واليوم، في زمن الحرب والضياع، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة إحياء تلك الروح الثورية، لا بشعاراتها فقط بل بوعيها العميق.
إن مستقبل السودان لن يُبنى بالسلاح ولا بالفتاوى، بل بالضمير.
ضميرٌ يعترف بالأخطاء، يرفض التبرير باسم الدين، ويضع الإنسان في مركز المشروع الوطني.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي جيش، مهما كانت شعاراته، أن يبني وطنًا من دون ضمير.
ولا يمكن لأي حركة، مهما كانت عقيدتها، أن تخلق سلامًا دون عدالة.
الجيش السوداني اليوم يقف بين ظلّ الله والضمير الغائب؛ بين أن يستعيد دوره كمؤسسة وطنية أو أن يظل رهينة في يد الإسلاميين الذين جعلوه سلاحًا ضد شعبه.
إن ساعة الحقيقة قد اقتربت — إمّا أن نختار دولة المواطنة المتساوية التي تحمي الإنسان قبل العقيدة، وإمّا أن نستمر في دوران عبثي يعيد إنتاج الطغيان بأسماء جديدة.
كما قال عبدالواحد محمد أحمد النور: «نحن مستعدون للدفاع عن الوطن، لكن يدنا ممدودة للسلام».
هذا هو جوهر الثورة، وجوهر الضمير الإنساني الذي يحتاجه السودان اليوم: سلامٌ بعدلٍ، وعدلٌ بلا خوف، ووطنٌ لكلّ أبنائه بلا استثناء.
تاريخ25أكتوبر2025م



