مقالات الرأي

الحدود الصحية والسليمة في العلاقات


بقلم: دكتور/ كمال عبد العزيز عبد الشافع

لا يختلف موضوع “الحدود الصحية في العلاقات” كثيرًا عن مسألة العلاقة السليمة مع الذات والتفرد في الشخصية ولكن فيها فروق مهمة ضمن سمات النضج النفسي؛ فالحياة في جوهرها شبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات اليومية والموسمية والسنوية، وهي تتطلب من الإنسان استعدادًا داخليًا دائمًا وترتيبًا واضحًا للأولويات حتى لا يغرق في الفوضى ويفقد السيطرة على ذاته وعلاقاته.

فمن دون تنظيم العلاقات والتداخلات التي تواجه الإنسان يوميًا، يصبح عاجزًا عن الإنجاز أو النجاح في أي من تلك الروابط. وهنا تبرز أهمية العلاقة السليمة مع الذات، إذ تُمكِّن الإنسان من تنفيذ ما خطط له بثقة دون أن يتأثر بشكل مفاجئ بأي طارئ. وتلعب الشخصية القوية دورًا مهمًا في هذا الإطار، خاصة إذا كانت قائمة على القيم الإنسانية والروحية السليمة، حيث تمنح الإنسان القدرة على قول “لا” لما يتعارض مع مبادئه، وقبول ما هو حق دون خوف، واحترام حدود الآخرين دون أن يشعر بالانزعاج أو الاعتداء عليهم.

هذه القدرة تعكس نضجًا نفسيًا وروحيًا متقدمًا، وتؤكد أن الإنسان قد بلغ مرحلة من الوعي تُمكّنه من التعامل مع ذاته والآخرين بوعي وصدق. من أهم مظاهر هذه النضوج، القدرة على قول الحقيقة، حتى وإن كانت مؤلمة، فالصداقة الحقيقية لا تُبنى على المجاملات، بل على الصراحة والصدق. كذلك علاقتنا بالمطلق الخالق مبنية على الصدق أيضًا، فهو يُحبّ من يؤمنون به ويؤدبهم من أجل صالحهم. وبنفس هذا المبدأ، يجب ألا نخشى قول الحقيقة لأعزّ الناس إلينا، حتى لو رفضوها اليوم، فقد يعودون غدًا شاكِرين.

أعترف أنني شخصيًا واجهت صعوبة أحيانًا في قول الحقيقة في بعض المواقف، رغم علمي أنها ضرورية. أحيانًا نلجأ إلى تبرير الخطأ أو نرضى به فقط لإرضاء صديق أو قريب، وهذه مجاملة ضارة تؤدي إلى التهرب من المسؤولية تجاه النفس والآخرين.

في مجتمعنا السوداني، تربينا على بعض المفاهيم الخاطئة التي لا تزال تؤثر فينا حتى اليوم، مثل الاعتقاد بأن “الصغير لا يرفض للكبير طلبًا ولا يجادله”، وهذا نهج غير صحي يؤدي إلى استسلام فكري وسلوكي، ويمنعنا من قول الحق ومواجهة الخطأ. يجب إعادة النظر في هذه الموروثات التربوية، لأن الإصلاح لا يأتي بالصمت بل بالتصحيح والجرأة في قول الحقيقة.

كذلك، نجد في بعض العلاقات الدينية والاجتماعية قبولًا لممارسات خاطئة باسم الإيمان، بينما الله نفسو لم يكن يهادن الخطيئة، بل واجهها بحسم وحدّد حدودًا واضحة في التعامل مع الآخرين. وهذا ما نحتاجه اليوم: أن نعيش بوضوح وبمحبة، لكن داخل حدود، وأن نرفض الخطأ دون كراهية، بل بدافع الإصلاح والمعالجة.

ولكي تتحقق هذه المعادلة، نحتاج إلى إدارة ذكية للخصوصية الشخصية، تنبع من الاستقلالية والتفرد، بعيدًا عن هيمنة “العقل الجمعي” الذي يفرض مقاييسه على الجميع دون اعتبار لاختلاف الأفراد. المطلوب اليوم أن نُنمّي رؤيتنا الموضوعية، وننضج فكريًا بما يسمح لنا بترتيب أولوياتنا، وتحديد علاقاتنا، وقبول الاختلاف دون خوف، ورفض الباطل دون ارتجاف، لنصنع بذلك علاقات صحية وحدودًا سليمة مع ذواتنا ومع الآخرين.

2 أغسطس 20205م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x