مقالات الرأي

الحرب ليست قدراً.. والحوار السوداني ليس خياراً

وقف النزيف أولاً

بقلم: عاطف محمد أحمد

السودان ينزف. هذه ليست مبالغة بلاغية بل توصيف دقيق لواقع تتساقط فيه الأرواح كل يوم من الخرطوم إلى الفاشر، ومن الجنينة إلى الأبيض. كل قذيفة تسقط لا تهدم بيتاً فقط، بل تهدم ما تبقى من نسيج اجتماعي هش. لذلك، فإن المطلب الأول والفوري والبديهي هو الوقف الشامل وغير المشروط لإطلاق النار. حقن الدماء ليس بنداً تفاوضياً، بل شرط إنساني وأخلاقي يسبق أي نقاش سياسي.

هدنة أم سلام؟

لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه: ثم ماذا بعد وقف الحرب؟ تاريخنا القريب مليء بهدن تكتيكية ومبادرات متعثرة، كانت تمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس قبل جولة عنف جديدة. السبب أننا اعتدنا معالجة الأعراض وتركنا المرض. نتعامل مع الحروب كأنها كوارث طبيعية مفاجئة، بينما هي في الحقيقة نتيجة حتمية لاختلالات بنيوية عمرها عقود.

مواجهة الجذور بدل الهروب منها

الحرب الحالية، كسابقاتها، ليست إلا تجلياً دموياً لأزمة الدولة السودانية منذ الاستقلال. إنها أزمة تهميش هيكلي جعل أقاليم كاملة تشعر أنها خارج معادلة السلطة والثروة. إنها أزمة هوية لم تُحسم، وظلت تتأرجح بين الأفريقانية والعروبة دون أن تتصالح مع ذاتها. إنها أزمة مواطنة منقوصة، حيث الحقوق والواجبات لا تُوزع على أساس الرقم الوطني، بل على أساس القرب من مركز القرار.

إن أي تسوية لا تضع هذه الملفات الثلاثة على الطاولة بشجاعة، هي تسوية مؤجلة للانفجار القادم. سنوقع اتفاقاً اليوم، لنشهد تمرداً جديداً غداً باسم مختلف.

شروط الحوار المنتج

المخرج ليس سراً: حوار سوداني سوداني. لكن يجب ضبط المصطلح حتى لا يتحول إلى شعار أجوف. هذا الحوار يجب أن يكون:

  1. شاملاً: لا يستثني أحداً، ولا يمنح حق الفيتو لأحد. من حمل السلاح ومن لم يحمله، من شارك في السلطة ومن عارضها.
  2. داخلياً: يُعقد على الأرض السودانية، لأن استيراد الحلول السياسية أثبت فشله. الحل الذي لا يُطبخ في الخرطوم لا يُهضم في دارفور.
  3. سيادياً: بإرادة وطنية خالصة، دون وصاية إقليمية أو دولية. دور الخارج هو التسهيل إن طُلب منه، وليس الإملاء.

أجندة هذا الحوار معروفة سلفاً: شكل نظام الحكم، التوزيع العادل للسلطة والثروة، قضايا العدالة الانتقالية والمحاسبة، بناء جيش مهني قومي واحد، ودستور دائم يعترف بالتنوع ويحميه.

ما بعد الكارثة

إيقاف الحرب يحتاج إلى قرار، أما بناء السلام فيحتاج إلى شجاعة. شجاعة الاعتراف بالأخطاء التاريخية، وشجاعة تقديم التنازلات المتبادلة، وشجاعة القبول بالآخر شريكاً كاملاً في الوطن لا تابعاً.

إن الاستمرار في الحرب خسارة للجميع، والمنتصر فيها مهزوم أخلاقياً. أما الجلوس إلى الحوار فهو انتصار لفكرة السودان التي كادت أن تضيع.

السلام ليس غياب البندقية.. السلام هو حضور العدالة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x