مقالات الرأي

الحرب والجوع وتذبذب الأمطار: السودان يدفع الثمن… أوقفوا الحرب وأنقذوا الشعب

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)

في السودان، لم يعد الموت يأتي من فوهات البنادق وحدها؛ فهناك موتٌ آخر يتسلل بصمت إلى البيوت والقرى والأسواق والحقول. موتٌ تصنعه الحرب حين تدمر مقومات الحياة، ويضاعفه الجوع حين يصبح الغذاء بعيد المنال، وتعمّقه تقلبات الأمطار حين يجد المزارع نفسه عاجزًا عن الوصول إلى أرضه أو توفير احتياجات إنتاجه. وبين رصاص الحرب وقسوة الجوع وتذبذب مواسم الأمطار، يقف المواطن السوداني في مواجهة كارثة تتسع كل يوم، بينما تتراجع قدرته على الصمود أمام أزمات تتشابك حلقاتها وتضيق معها فرص النجاة.

لم تعد الحرب في السودان مجرد معارك تدور في ميادين القتال، بل تحولت إلى كارثة وطنية شاملة تطال الإنسان ومعيشته ومستقبله. فالجوع لم يعد مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية خانقة، كما لم يعد تذبذب الأمطار مجرد ظاهرة مناخية عابرة؛ لقد تداخلت آثار الحرب مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، لتدفع ملايين السودانيين إلى واقع بالغ القسوة، وتضع البلاد أمام خطر متزايد من الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

لقد أضعفت الحرب قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة الأزمات، بينما أسهم تذبذب الأمطار وطول فترات انحباسها في بعض المناطق في زيادة الضغوط على الزراعة ومصادر المياه. وفي بلد يعتمد ملايين مواطنيه على الزراعة والرعي، لا تكون الأمطار مجرد ظاهرة طبيعية، بل هي شريان الحياة، وأساس الإنتاج، ومصدر الرزق.

وحين تتأخر الأمطار أو تتذبذب معدلات هطولها، تتراجع فرص نجاح الموسم الزراعي، وتتزايد مخاطر الجفاف، وتتفاقم معاناة المزارعين والرعاة. لكن قسوة هذه الظروف تصبح أشد حين تتزامن مع حرب أخرجت مساحات واسعة من المنظومة الإنتاجية، وحرمت كثيرًا من المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وعطلت الأسواق وطرق النقل وسلاسل الإمداد.

وهنا تتكامل حلقات الأزمة في مشهد شديد القسوة: الحرب تعطل الزراعة، وتذبذب الأمطار يضعف المحاصيل، وتراجع الإنتاج يرفع أسعار الغذاء، وارتفاع الأسعار يوسع دائرة الفقر، والفقر يفتح الطريق أمام مزيد من الجوع. وفي نهاية هذه السلسلة المدمرة يقف المواطن السوداني، يدفع الثمن من قوته وحياته ومستقبل أبنائه.

إن الخطر اليوم لا يكمن في نقص الغذاء وحده، بل في انهيار القدرة على إنتاجه والوصول إليه. فالمزارع يحتاج إلى الأمن حتى يصل إلى أرضه، وإلى المياه ومستلزمات الإنتاج حتى يزرع، وإلى الطرق والأسواق حتى يبيع محصوله. وعندما تنهار هذه المنظومة، يصبح الجوع نتيجة طبيعية لحرب لا تتوقف عند حدود الميدان، بل تمتد آثارها إلى كل بيت وحقل وسوق.

لهذا، فإن الحديث عن مكافحة الجوع لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن وقف الحرب. كيف يمكن إنقاذ الأمن الغذائي بينما يستمر القتال في تعطيل الإنتاج وتهجير المزارعين وتدمير البنية التحتية؟ وكيف يمكن مواجهة الجفاف وتذبذب الأمطار في بلد أنهكته الحرب، وأثقلته الأزمة الاقتصادية، واستُنزفت موارده؟

إن استمرار الحرب في ظل هذه الظروف ليس مجرد استمرار لصراع عسكري، بل هو استمرار لإنتاج الجوع والفقر والنزوح والانهيار. فكل موسم زراعي يتعطل، وكل أرض تخرج من المنظومة الإنتاجية، وكل طريق يُغلق، وكل سوق يتوقف، يعني اتساع دائرة الأزمة الغذائية، وارتفاع كلفة المعاناة على المواطن السوداني.

لقد ظللنا نكتب ونؤكد أن وقف الحرب هو المدخل الحقيقي لإنقاذ السودان؛ لأن الحرب لا تنتج وطنًا، ولا تبني اقتصادًا، ولا تحمي إنسانًا. إنها تنتج الموت والنزوح والدمار، وتترك خلفها مجتمعًا مثقلًا بالجراح وأزمة تتسع من يوم إلى آخر.

إن وقف الحرب اليوم ليس شعارًا سياسيًا يُرفع في البيانات، ولا مطلبًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم؛ بل هو ضرورة وطنية وإنسانية عاجلة. فحماية المدنيين، وتأمين مناطق الإنتاج، وفتح الممرات الإنسانية، وإعادة تشغيل الطرق والأسواق، ودعم المزارعين، وتهيئة الظروف لعودة النازحين، كلها خطوات لا يمكن أن تجد طريقها إلى النجاح في ظل استمرار القتال.

لقد آن الأوان أن تتقدم حياة السودانيين على حسابات الحرب، وأن يتقدم إنقاذ الإنسان على حسابات السلطة والنفوذ. السودان لا يحتاج إلى مزيد من الرصاص، بل يحتاج إلى الماء والغذاء والدواء. لا يحتاج إلى مزيد من الخنادق، بل يحتاج إلى الحقول والمدارس والمستشفيات والأسواق. ولا يحتاج الشعب إلى مزيد من وعود الانتصار العسكري، بل يحتاج إلى وطن آمن يستطيع فيه أن يزرع أرضه، ويحصد محصوله، ويربي أبناءه، ويعيش بكرامة.

إن السودان أمام امتحان تاريخي، والخيار لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل: إما أن تتوقف الحرب ويُفتح الطريق أمام الحياة والإنتاج والسلام، وإما أن تستمر البلاد في الانحدار نحو مزيد من الجوع والفقر والدمار.

الجوع لا ينتظر انتهاء المعارك، والجفاف لا ينتظر الحسابات السياسية، والمواطن لا يستطيع الانتظار أكثر.

أوقفوا الحرب… أنقذوا الشعب.

إنقاذ السودان يبدأ بوقف الحرب، واستمرار الحياة يبدأ بإنهائها.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x