مقالات الرأي

الخرطوم تبحث عن شرعية في الفاتيكان.. والأحزاب عاجزة عن إنتاج قيادة المستقبل


بقلم: عاطف محمد أحمد

مقدمة: مشهد يتجاوز السياسة إلى بنية الدولة
في لحظة سودانية بالغة التعقيد، تتشابك أربعة مسارات لتكشف عمق الأزمة البنيوية: أولاً، دولة تبحث عن اعتراف خارجي عبر بوابة الفاتيكان. ثانياً، خريطة حزبية متضخمة تضم 123 كياناً مسجلاً تفشل في إنتاج مشروع وطني جامع. ثالثاً، تحالفات حزبية من أطراف الصراع تتصارع على السلطة دون رؤية للثروة البشرية. رابعاً، جيل كامل من الشباب، يمثل 60% من السكان، يقف خارج معادلة صنع القرار. هذه التقاطعات ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على مأزق “الشرعية والقيادة” الذي يهدد بقاء الدولة نفسها.

أولاً: التضخم الحزبي.. حين تتحول التعددية إلى مرض
تكشف سجلات مجلس شؤون الأحزاب عن وجود 123 حزباً وتياراً سياسياً. اللافت أن التيارات ذات المرجعية الإسلامية تستحوذ على 70% من هذا العدد، لكنها تتوزع على عشرات المسميات المتشظية. المفارقة الصارخة أن هذا الكم الهائل لم يُنتج كیفاً سياسياً. فبدلاً من إثراء الحياة الديمقراطية، تحولت التعددية إلى “تفتيت منظم” يعيد إنتاج الانقسامات القبلية والجهوية والأيديولوجية داخل رحم الكتلة الواحدة.

العطب الجوهري يكمن في “العقلية الحاكمة” لهذه الكيانات. فهي لا تزال تدير شؤونها بمنطق “الزعيم الملهم” و”شيخ الطريقة السياسي” الذي يرى في الحزب إرثاً شخصياً لا مؤسسة عامة. غياب اللوائح الديمقراطية الداخلية، ورفض مبدأ تداول المواقع، وتقديس الرمز على حساب الفكرة، كلها عوامل حولت مقرات الأحزاب إلى “متاحف للذاكرة” لا “معامل لصناعة المستقبل”.

ثانياً: التحالفات الحزبية.. صفوة أساسية فشلت في استثمار الثروة البشرية
هنا بيت الداء. التحالفات التي تشكلت من أطراف الصراع السياسي والعسكري، سواء الموالية لبورتسودان أو المعارضة لها، تعاملت مع نفسها كـ”صفوة أساسية” تحتكر تمثيل الشعب وتقرير مصيره. لكن هذه الصفوة فشلت فشلاً ذريعاً في أهم اختبار: استثمار الثروة البشرية الهائلة للسودان.

كيف؟

  1. احتكار القرار: تحالفات “قوى الحرية والتغيير” و”الكتلة الديمقراطية” و”تيار الميثاق الوطني” وغيرها، حولت العمل السياسي إلى “لعبة نخب” في فنادق العواصم. تم إقصاء 60% من السكان – أي الشباب – من طاولات التفاوض وتقاسم السلطة. الثروة البشرية تم التعامل معها كـ”وقود للهتاف” و”أرقام في المظاهرات”، لا كـ”شريك في التخطيط وصناعة السياسات”.
  2. إعادة إنتاج الفشل: كل تحالف جديد هو نسخة مكررة من سابقه. نفس الوجوه، نفس الخطاب، نفس العقلية الإقصائية. النتيجة: هدر مخزون هائل من الطاقات الشابة في التعليم، والتقنية، والعمل الطوعي. هذه التحالفات لم تسأل نفسها: كيف ندرب 100 ألف شاب على الحكم المحلي؟ كيف نبني حاضنات ريادة أعمال سياسية؟ بل اكتفت بتوزيع المناصب على “المجربين” الذين أثبتوا فشلهم منذ 1956.
  3. الانفصال عن الواقع: بينما يقاتل الشباب في لجان المقاومة ويطعمون النازحين في غرف الطوارئ، كانت “صفوة التحالفات” تتصارع على نسب التمثيل في حكومة لم تتشكل. لقد تحولت هذه التحالفات إلى “سماسرة أزمات” لا “مهندسي حلول”. الثروة البشرية التي كان يمكن أن تكون رافعة للنهضة، تحولت إلى ضحية لصراع الصفوة على المكاسب.

المحلل الاقتصادي د. حيدر إبراهيم يعلق: “أي دولة تُهمل 60% من سكانها هي دولة تنتحر اقتصادياً. التحالفات الحزبية نظرت للشباب كعبء أمني أو ورقة تفاوض، ولم ترَ فيهم أصلاً استثمارياً. هذه جريمة تنموية”.

ثالثاً: التيارات الإسلامية.. من وحدة المشروع إلى حرب الهويات الفرعية
يشهد المشهد الإسلامي انقساماً ثلاثياً: “إسلاميو السلطة” المتحالفون مع بورتسودان، و”إسلاميو الشارع” المعارضون، و”التيار الصامت” المترقب. هذا التشرذم أفقد الخطاب الإسلامي “مركزيته الأخلاقية”. فكيف لتيار يبشر بـ”المشروع الحضاري” أن يقنع الناس وهو عاجز عن إدارة خلافاته، أو عن تقديم حلول للخبز والدواء؟ لقد استهلك الصراع الداخلي الطاقة التي كان يفترض أن تُصرف في البناء.

رابعاً: دبلوماسية الفاتيكان.. 4 رسائل في حقيبة بورتسودان
في خضم هذا الفراغ الداخلي، كثفت حكومة البرهان من وتيرة وفودها إلى الفاتيكان. القراءة الاستراتيجية تكشف 4 دلالات:

  1. ترميم الشرعية المنقوصة: لقاء البابا يوفر صورة “الحكومة المعتدلة” لتعويض غياب التفويض الشعبي.
  2. توظيف ورقة الأقليات: تقديم النظام كضامن لحقوق المسيحيين لمخاطبة دوائر الضغط الكنسي في الغرب.
  3. كسر العزلة الدبلوماسية: الفاتيكان قناة نفوذ روحي تفتح أبواب 180 دولة.
  4. رسالة براغماتية للداخل: “السلطة أولاً”، حتى لو تطلب التحالف مع الخصوم الأيديولوجيين.

خاتمة: الشرعية لا تُستورد من روما ولا تُحتكر في الفنادق
إن زيادة وفود بورتسودان إلى الفاتيكان هي إعلان إفلاس سياسي. فالدولة التي تفشل في إقناع شعبها بشرعيتها، لن تقنع بها العالم. وفي المقابل، فإن تحالفات حزبية تتصرف كـ”صفوة أساسية” تحتكر التمثيل بينما تهدر الثروة البشرية، لن تكون قادرة على بناء دولة.

“العقلية المستقبلية” تعني الاعتراف بأن جيل الثورة ليس “مشكلة أمنية” بل “أصل وطني”. تعني تحويل الأحزاب من “دكاكين صفوة” إلى “مدارس قيادة”. تعني أن الشرعية لا تُمنح في روما ولا في اجتماعات التحالفات المغلقة، بل تُنتزع من الشارع عبر عقد اجتماعي جديد.

ما لم تفكك “صفوة التحالفات” عقليتها الإقصائية وتفتح الأبواب للثروة البشرية المهدرة، فإن كل وفود العالم لن تمنح السودان قبلة حياة. سيظل يدور في حلقة مفرغة: سلطة تبحث عن اعتراف خارجي، وتحالفات تتصارع على خراب، وشباب يدفع ثمن فشل الجميع.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x