مقالات الرأي

الخريف السوداني وتغير المناخ: حين يصبح المطر قضية أمن غذائي وكرامة إنسانية


بقلم: ايوب محمد عبد الرحمن


لم يعد الخريف في السودان مجرد فصلٍ من فصول السنة، ولا مناسبة ترتبط بالخضرة ورائحة الأرض بعد أول المطر. فقد أصبح موسماً يحمل معه قلقاً كبيراً للمزارع والراعي والأسر الفقيرة والنازحين، لأن حياة ملايين السودانيين ترتبط مباشرة بما يهطل من السماء، ومتى يهطل، وكيف يتوزع خلال أشهر الموسم.
في السابق، كان الناس يستبشرون بالخريف بوصفه بداية للزرع والمرعى وامتلاء الحفائر والوديان.
أما اليوم، فإن هذا الاستبشار بات مشوباً بالخوف. تتأخر الأمطار أحياناً، ثم تهطل بغزارة في أيام محدودة، لتتبعها فترات انقطاع طويلة. وفي حالات أخرى، تتحول الأمطار نفسها إلى سيول وفيضانات تُتلف الزرع والمساكن والطرق.
وهكذا يجد السوداني نفسه بين جفافٍ يهدد لقمة العيش، وفيضانٍ قد يهدد ما تبقى من ممتلكاته.
إن تغير المناخ لم يعد قضية بعيدة تُناقش في المؤتمرات الدولية أو في تقارير الخبراء فقط، بل أصبح واقعاً يومياً في القرى والفرقان والأسواق السودانية.
يظهر في أرض عطشى، وبذور لا تجد رطوبة كافية لتنمو، ومراعٍ تتراجع، وآبارٍ تنخفض مياهها، وأسعارٍ ترتفع بسبب ضعف الإنتاج.
وحين يضطرب المطر، لا يتضرر القطاع الزراعي وحده؛ بل تمتد الأزمة إلى الغذاء والصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي.
السودان من البلدان التي تعتمد بصورة كبيرة على الزراعة المطرية والثروة الحيوانية. ولذلك فإن أي اختلال في موسم الخريف ينعكس سريعاً على حياة الناس.
فالمزارع الذي يزرع الذرة أو الدخن أو السمسم لا ينتظر المطر من باب الترف، بل لأنه رأس ماله الحقيقي. والراعي الذي ينتقل بماشيته بحثاً عن الماء والكلأ لا يواجه مشكلة بيئية فقط، وإنما يواجه تهديداً مباشراً لمصدر دخله وحياة أسرته.
المشكلة ليست في قلة الأمطار وحدها، بل في عدم انتظامها. فالمطر الذي يأتي متأخراً قد يربك مواعيد الزراعة، والمطر الغزير في فترة قصيرة قد يجرف التربة والبذور، والانقطاع الطويل بعد الإنبات قد يقضي على المحصول قبل أن يكتمل. لذلك، أصبح الحديث عن الخريف حديثاً عن القدرة على التكيف مع واقع مناخي جديد، لا يمكن التعامل معه بنفس أدوات الماضي.
وتزداد خطورة هذه التغيرات في ظل الحرب والنزوح وتراجع مؤسسات الدولة والخدمات العامة.
فالمزارعون في مناطق عديدة يواجهون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم، أو الحصول على البذور والوقود والتمويل والأدوات الزراعية.
كما أن النازحين، الذين فقد كثير منهم مصادر دخلهم وأراضيهم، هم الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الغذاء ونقص المياه وانتشار الأمراض المرتبطة بتلوث البيئة والفيضانات.
إن الكرامة الإنسانية تبدأ من حق الإنسان في الطعام والماء والأمان. ومن الصعب الحديث عن كرامة مواطن لا يعرف هل سيتمكن من إطعام أسرته في الشهر القادم، أو عن استقرار أسرة تعيش تحت تهديد الجفاف أو السيول أو النزوح المتكرر. لذلك فإن التعامل مع الخريف لا ينبغي أن يقتصر على نشرات الطقس والتحذيرات الموسمية، بل يجب أن يكون جزءاً من سياسة وطنية شاملة لحماية الإنسان وسبل كسب عيشه.
المطلوب اليوم هو دعم المزارعين بالبذور الملائمة للظروف المناخية، وتوسيع مشروعات حصاد المياه، وصيانة الحفائر والآبار والقنوات، وتوفير معلومات مبكرة وواضحة عن الأمطار والفيضانات والجفاف. كما يجب حماية المراعي وتنظيم استخدامها، ودعم المجتمعات المحلية في إدارة مواردها الطبيعية، حتى لا يتحول التنافس على الماء والأرض إلى مصدر جديد للصراع.
ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة إعادة الاعتبار للزراعة باعتبارها قضية أمن وطني. فالدولة التي لا تحمي موسمها الزراعي، ولا تؤمّن احتياجات مزارعيها ورعاتها، تترك غذاء شعبها رهينة للمناخ وللسوق وللأزمات. والسودان، بما يملكه من أرض ومياه وخبرات زراعية، قادر على تقليل هذا الخطر إذا توفرت الإرادة والتخطيط والاستقرار.
إن الخريف السوداني اليوم ليس مجرد مطرٍ يهطل أو يتأخر؛ إنه مرآة لأزمة أكبر تجمع بين تغير المناخ والحرب وضعف البنية التحتية وتراجع الحماية الاجتماعية. وبينما ينتظر الناس الغيث، يبقى السؤال الأهم: هل ننتظر المطر وحده، أم نبني قدرة حقيقية على حماية الأرض والإنسان؟
فالمطر نعمة، لكنه وحده لا يكفي. ما يحتاجه السودان هو سلام يحمي المزارع، ومؤسسات تخدم الناس، وسياسات ترى في الغذاء والماء والكرامة حقوقاً لا يمكن تأجيلها.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x