الدبلوماسية الشعبية.. صوت السودان الغائب في زمن الحرب

د. كمال عبدالعزيز
باحث في العلاقات الدولية
في لحظات الأزمات الكبرى، حين تفشل الدولة في القيام بواجبها أو تتورط مؤسساتها الرسمية في الفساد وعدم القدرة على تمثيل البلد بشكل متوازن، يصبح الشعب نفسه هو الممثل الأول لقضيته أمام العالم. هذا هو جوهر الدبلوماسية الشعبية، التي تمثل أحد أهم أشكال القوة الناعمة، حيث تمنح الشعوب القدرة على التواصل مع المجتمع الدولي وإيصال صوتها وقصتها عبر قنوات غير رسمية، بعيدًا عن قيود السلطة وضيق حساباتها السياسية. هذه الدبلوماسية ليست خيارًا ثانويًا مهماً، بل قد تصبح طوق نجاة في ظل الانهيار المؤسسي وفقدان البوصلة الوطنية من تعدد حكومات واستمرار الحرب.
لقد شهد السودان خلال السنوات الماضية تراجعًا حادًا في أداء أجهزته الرسمية، وخاصة الدبلوماسية منها، حيث تغلبت المصالح الضيقة والانتماءات الحزبية على المصلحة الوطنية العليا. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، ظهر هذا الضعف في أوضح صوره، فشلت الدبلوماسية الرسمية في تحقيق أي اختراق لوقف القتال، وعجزت عن توحيد الخطاب الخارجي، كما لم تنجح في حشد الدعم الإنساني والسياسي للشعب. هذا الفراغ أتاح الفرصة أمام المبادرات الشعبية لتتقدم الصفوف وتحمل على عاتقها مهمة الدفاع عن السودان وصورته وصوته الرافض للحرب والمنادي بالتغيير الشامل وبناء دولة مواطنة متساوية.
وتتنوع ملامح الدبلوماسية الشعبية في السودان، فهي تبدأ من نشاط الجاليات السودانية في الخارج، التي تنظم الوقفات الاحتجاجية أمام البرلمانات والمؤسسات الدولية، وتعقد اللقاءات مع صانعي القرار، وتقدم المذكرات والعرائض الداعمة لقضايا التغيير. وتشمل أيضًا جهود الإعلاميين والناشطين الذين يستخدمون وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي لفضح الجرائم والانتهاكات، وكشف التضليل، وإظهار الموقف الشعبي الحقيقي من الحرب. كذلك تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في بناء شراكات مع منظمات الإغاثة والحقوق الدولية، بما يضمن إيصال المساعدات مباشرة إلى المتضررين بعيدًا عن قنوات السلطة المنحازة، في حين توظف القوى الثقافية والفنية أعمالها الإبداعية لتوثيق معاناة الشعب وتقديم رواية بديلة تخاطب الضمير الإنساني بما يجري في السودان.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تواجه جملة من التحديات. فغياب التنسيق بين المبادرات المختلفة يؤدي إلى تشتت الجهود وإضعاف أثرها، كما أن الملاحقة الأمنية وشيطنة التحركات الشعبية تعيق حرية الحركة وتحد من قدرة الناشطين على العمل. ويضاف إلى ذلك ضعف الموارد المالية واللوجستية التي تمنع الكثير من المشاريع من الاستمرار، فضلًا عن الانقسامات السياسية التي تنعكس سلبًا على وحدة الخطاب الموجه إلى الخارج، ما يفقده القوة والتأثير.
ورغم هذه العقبات، فإن فرص النجاح لا تزال قائمة إذا ما أحسن استثمارها. يمكن للدبلوماسية الشعبية أن تبني شبكات تضامن وتحالفات دولية داعمة للقضية السودانية، وأن تمارس ضغطًا على الحكومات والمنظمات الدولية لاتخاذ مواقف أكثر عدالة تجاه النزاع، وأن تحافظ على صورة الشعب السوداني كضحية حرب وصانع سلام، بدلًا من حصره في صورة طرف في نزاع دموي. كما يمكنها أن تدعم جهود المصالحة وبناء السلام عبر الحوار المجتمعي المدعوم خارجيًا، مما يفتح آفاقًا جديدة للخروج من الأزمة.
إن السودان اليوم، في ظل الانسداد السياسي وغياب الرؤية في دبلوماسيته الرسمية، يحتاج إلى الدبلوماسية الشعبية أكثر من أي وقت مضى. فهي وسيلة لتوصيل صوت الشعب الرافض للحرب، ولحماية مصالحه وصورته أمام العالم. ونجاحها مرهون بقدرة القائمين عليها على تجاوز الخلافات الداخلية، وتبني خطاب موحّد، واستثمار الإمكانيات المتاحة بحكمة. فالشعوب التي تتقن مخاطبة العالم تستطيع أن تفرض مكانتها حتى في غياب دولتها، والسودان ليس استثناءً من هذه القاعدة.
9 أغسطس 2025م



