الدوافع النفسية لاستمرار الحرب في السودان

بقلم: د. كمال عبدالعزيز
استمرار الحرب في السودان لا يمكن اختزاله في صراع على السلطة أو الموارد فقط؛ بل هو ظاهرة مركّبة تتجذر في بنية نفسية عميقة لدى الفاعلين والأطراف الاجتماعية. فالحرب، في جوهرها، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي تعبير عن دوافع داخلية متشابكة تشمل الخوف، والهوية، والذاكرة، والسعي للسيطرة، والبحث عن المعنى. ومن دون تفكيك هذه الدوافع، يظل أي تفسير سياسي قاصرًا عن فهم سبب استمرار الصراع رغم كلفته الباهظة.
أحد أهم هذه الدوافع هو الخوف الوجودي، حيث يتشكّل لدى الأطراف المتنازعة إدراك نفسي بأن التراجع أو التسوية قد تعني الإقصاء أو حتى الفناء. هذا الإدراك لا يكون دائمًا انعكاسًا دقيقًا للواقع، لكنه يكتسب قوة حقيقية لأنه يُعاش نفسيًا كتهديد مطلق. في مثل هذه الحالات، تتحول الحرب إلى خيار دفاعي في نظر الأطراف، حتى لو كانت في حقيقتها تُفاقم الخطر. هذا ما أشار إليه Thomas Hobbes حين وصف حالة الإنسان في غياب الاستقرار بأنها حالة خوف دائم تدفعه إلى العنف بوصفه وسيلة للبقاء.
إلى جانب ذلك، تلعب الرغبة في السلطة والسيطرة دورًا محوريًا. فالسلطة لا تُفهم فقط كوسيلة للحكم، بل كحاجة نفسية تمنح الإحساس بالأمان والقدرة على التحكم في المصير. في بيئة مضطربة، تصبح هذه الحاجة أكثر إلحاحًا، ويتحول التنازل السياسي إلى تهديد نفسي للذات. وقد لاحظ Sigmund Freud أن النزعة العدوانية جزء أصيل من الطبيعة البشرية، وأنها قد تجد في الصراعات الجماعية مجالًا للتعبير المشروع اجتماعيًا، مما يفسر جزئيًا استعداد بعض الفاعلين للاستمرار في الحرب رغم كلفتها.
كما أن للهوية دورًا حاسمًا في تأجيج الصراع واستمراره. ففي السياق السوداني، تتداخل الانتماءات القبلية والجهوية والسياسية لتشكّل هويات صلبة تُعرّف الذات في مقابل “الآخر”. ووفقًا لتحليل Henri Tajfel، فإن الأفراد يسعون إلى تعزيز تقديرهم لذواتهم من خلال الانتماء إلى جماعات، ما يؤدي إلى تضخيم الفروق وتبرير التحيز والعنف ضد الجماعات الأخرى. وهكذا، يصبح الصراع ليس فقط على السلطة، بل على الاعتراف والكرامة، مما يجعل التسوية أكثر تعقيدًا.
ولا يمكن إغفال أثر الذاكرة الجمعية، التي تختزن تاريخًا من المظالم والعنف، وتعيد إنتاجه في الحاضر. هذه الذاكرة لا تعمل كأرشيف محايد، بل كقوة دافعة تغذي مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام. في هذا السياق، أشار Frantz Fanon إلى أن العنف قد يُفهم أحيانًا كوسيلة لإعادة بناء الذات واستعادة الكرامة المهدورة. وعندما تتوارث الأجيال هذه السرديات، يصبح إنهاء الحرب أصعب، لأن الصراع يتجاوز الحاضر ليشمل تصفية حسابات مع الماضي.
ومع طول أمد الحرب، يحدث نوع من التكيّف النفسي مع العنف، حيث يفقد الحدث الدموي طابعه الصادم ويصبح جزءًا من الحياة اليومية. هذا التكيّف، الذي يمكن فهمه عبر مفهوم Habituation، يؤدي إلى تراجع الحساسية تجاه المعاناة، ويجعل استمرار الحرب أقل إثارة للرفض الداخلي. وقد أشار Erich Fromm إلى قدرة الإنسان على التكيف حتى مع الظروف المدمرة، وهو ما يفسر كيف يمكن لمجتمعات كاملة أن تعيش في ظل العنف لفترات طويلة دون أن تنجح في كسره.
أخيرًا، تلعب مسألة المعنى دورًا خفيًا لكنه حاسم في استمرار الحرب. فالصراع يحتاج إلى سردية تبرره وتمنحه شرعية أخلاقية، سواء تمثلت في الدفاع عن الوطن أو حماية الهوية أو مقاومة الظلم. هذه السرديات تمنح الأفراد القدرة على تحمّل المعاناة، وهو ما عبّر عنه Viktor Frankl بقوله إن الإنسان يستطيع تحمّل أي معاناة إذا وجد لها معنى. وهكذا، تتحول الحرب من عبء إلى “قضية”، ومن واقع مؤلم إلى مشروع يحمل دلالة نفسية.
في ضوء ذلك، يتضح أن استمرار الحرب في السودان ليس مجرد نتيجة لتعثر الحلول السياسية، بل هو انعكاس لبنية نفسية معقدة تتغذى من الخوف، والهوية، والذاكرة، والتكيف، والمعنى. ومن هنا، فإن أي مسار حقيقي نحو السلام لا بد أن يتجاوز الترتيبات السياسية إلى معالجة هذه الجذور النفسية، لأن الحروب، في نهاية المطاف، لا تُصنع فقط في ميادين القتال، بل تبدأ وتستمر في أعماق النفس البشرية.
22 ابريل 2026م



