الدولة ليست ثكنة… والسيادة لا تُدار بالعسكر وحدهم

بقلم: ابراهيم عثمان أبو خليل
أيها الثوار الأحرار… يا حراس الضمير الوطني، ويا من حملتم حلم السودان في أصعب المحطات، انتبهوا؛ فالأوطان لا تُصان بعقلية الثكنة وحدها، ولا تُبنى بإرادة البندقية وحدها، ولا تُختزل في مؤسسةٍ مهما بلغ عطاؤها أو تضحياتها. إن الدولة التي تُدار من بوابة العسكر وحدها تفقد توازنها، وتُرهق حاضرها، وتُغامر بمستقبلها، لأن قوة الأوطان تُقاس بقوة مؤسساتها، لا بسطوة أي طرف فيها.
إن السودان أكبر من أن يُختصر في سلطة، وأعظم من أن يُحتكر باسم الحماية. فمن يزعم أنه الحارس الوحيد للوطن، إنما ينتقص من عظمة هذا الشعب الذي كتب تاريخه بالدموع والصبر والتضحيات، وأثبت عبر الأجيال أن السيادة تصنعها إرادة الجماهير، وأن الشرعية تنبع من الأمة، لا من فوهة السلاح ولا من ميزان القوة.
لقد آن الأوان أن يُقال بوضوح لا يعرف المواربة: إن الوطن لا يحتاج إلى أوصياء، بل يحتاج إلى دولةٍ يحكمها الدستور، ومؤسساتٍ مستقلة، وعدالةٍ لا تُفرّق بين قوي وضعيف، وسلطةٍ تستمد مشروعيتها من الشعب وحده. فكل تجربةٍ جعلت البندقية بوابةً للحكم، دفعت البلاد إلى أزماتٍ أعمق، وأبعدتها عن طريق الاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية.
إن السيادة ليست خطابًا يُتلى فوق المنابر، ولا شعارًا يُرفع في ساحات الاحتفال؛ السيادة قرارٌ وطنيٌ حر، لا يخضع لإملاءات الخارج، ولا يُساوم على مصالح السودان، ولا يسمح لأي نفوذٍ إقليمي أو دولي أن يرسم مستقبل شعبٍ قدّم من التضحيات ما يكفي ليكتب مصيره بيده.
أيها السودانيون… إن السودان لا يحرسه فرد، ولا مؤسسة، ولا جماعة؛ السودان يحرسه شعبه حين يتوحد، وتحرسه عدالته حين تنتصر، وتحرسه دولته حين تخضع للقانون، ويحرسه دستوره حين يكون فوق الجميع. أما احتكار الوطنية واحتكار السلطة، فهما طريقان لا يقودان إلا إلى الانقسام وإضعاف الدولة وإهدار طاقات الأمة.
فلنرفع راية السودان فوق كل الرايات، ولنجعل ولاءنا للوطن قبل الأشخاص، وللدولة قبل السلطة، وللشعب قبل المصالح الضيقة. فالحكومات ترحل، والسلطات تتبدل، أما السودان فهو الباقي، وهو العهد الذي لا يجوز التفريط فيه، والأمانة التي ستسأل عنها الأجيال كل من حمل مسؤولية هذا الوطن.
المجد للسودان… والمستقبل لدولةٍ يسودها القانون، ويصونها شعبها، وتنهض بإرادة أبنائها الأحرار.


