مقالات الرأي

الديمقراطية الليبرالية كخيار معرفي واستراتيجي: دراسة في مشروع تحالف الشعب العريض وعلاقته بدولة المواطنة المتساوية في السودان

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)

لطالما شكلت مسألة “الدولة” و”المواطنة” محورًا إشكاليًا في الفكر السياسي السوداني المعاصر. فمنذ استقلال المميت للبلاد في عام 1956م، ظل السودان يعاني من أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية متوالية، تمثلت في تعاقب الأنظمة العسكرية، وفشل التجارب الديمقراطية القصيرة، وتفاقم الصراعات المركزية-الأطرافية التي بلغت ذروتها بانفصال جنوب السودان عام 2011م، ثم اندلاع الحرب الحالية منذ أبريل 2023م والتي وصفها المحللون بأنها تمثل “الانهيار المؤسسي النهائي للدولة ما بعد الاستعمارية”. في هذا السياق المتأزم، برزت رؤية سياسية تسعى إلى تقديم نموذج بديل لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، تقوم على الديمقراطية الليبرالية العلمانية الفيدرالية، وتتخذ من “دولة المواطنة المتساوية” هدفًا استراتيجيًا وغاية مركزية. هذا المشروع، الذي تتبناه حركة/جيش تحرير السودان ضمن إطار “تحالف الشعب العريض”، لا يقدم الديمقراطية الليبرالية كمجرد إجراء إداري أو حل سياسي آني، بل كخيار معرفي واستراتيجي شامل، يتجاوز حدود تغيير النظام السياسي إلى إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة في السودان بالكامل. تهدف هذه الدراسة، بالاعتماد على منهج التحليل العلمي، إلى تفكيك هذا المشروع نظريًا، وفحص العلاقة العضوية التي يقيمها بين الديمقراطية الليبرالية ودولة المواطنة المتساوية، ثم رصد وتحليل العقبات البنيوية والذاتية والموضوعية التي تحول دون تطبيقه في الواقع السوداني الراهن.
تستند الديمقراطية الليبرالية في جوهرها إلى مجموعة من المبادئ الأساسية التي تتجاوز مجرد إجراء الانتخابات أو تداول السلطة. فهي تمثل، من الناحية المعرفية، رؤية متكاملة للعلاقة بين الفرد والدولة تقوم على أولوية الحقوق الفردية، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، وضمان حقوق الأقليات. غير أن ما يميز الخطاب السياسي لتحالف الشعب العريض هو إصراره على تقديم هذا النموذج “كخيار معرفي” وليس مجرد خيار سياسي. فالمعرفة هنا تعني إعادة بناء الوعي الجمعي للمجتمع السوداني حول طبيعة الدولة والمواطنة، بما يشكل قطيعة مع “منطق الحلول الوسط” الذي طغى على التجارب السابقة. فقد ظلت الديمقراطية في السودان، في تجاربها القصيرة، أسيرة لنماذج هجينة مزجت بين الشريعة والسياسة، أو بين الحكم العسكري والديمقراطية، مما أنتج أنظمة هشة وغير قادرة على معالجة الأزمة البنيوية للدولة السودانية. ولذلك يقدم المشروع العلمانية الصريحة كقاعدة معرفية، بوصفها “الفصل البنيوي” بين الدين والدولة، وهو ما يختلف جوهريًا عن النماذج التي تحتفظ بعلاقة عضوية بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم.
إن تبني الديمقراطية الليبرالية كخيار معرفي يعني، تحليليًا، تجاوز ثلاث إشكاليات أساسية ظلت عالقة في الفكر السياسي السوداني.
● الإشكالية الأولى تتعلق بطبيعة السلطة: ففي النموذج الليبرالي، لا تكون السلطة غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة الفرد والجماعة، وتظل خاضعة للمساءلة والمحاسبة. وهذا يتناقض مع النموذج السائد في السودان منذ ذلك التاريخ المسمي جزافا بالاستقلال، حيث تحولت السلطة إلى غاية ووسيلة للإثراء والتمكين، كما تجلى بوضوح في عهد النظام السابق الذي استمر ثلاثة عقود.
● الإشكالية الثانية تتعلق بالهوية: فالديمقراطية الليبرالية تفترض مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الثقافية، وهذا يتعارض مع النموذج التقليدي للدولة السودانية الذي وصفه الباحثون بأنه “دولة هوية” وليس “دولة مواطنة”. لقد ظل السودان، منذ الاستعمار، أسيرًا لنموذج مركزي تهيمن عليه نخبة نيلية تحتكر السلطة وتهمش الأطراف، مما خلق أزمة مزمنة في الهوية الوطنية والمواطنة.
● الإشكالية الثالثة تتعلق بالعلاقة بين الفرد والجماعة: فالمشروع الليبرالي يضع الفرد كوحدة أساسية للحقوق، بينما تعتمد البنى الاجتماعية التقليدية في السودان على أولوية الجماعة على الفرد. وهذه الإشكالية بالذات تشكل تحديًا معرفيًا كبيرًا، لأنها تتطلب تحولًا في الوعي الجمعي وفي طبيعة العلاقات الاجتماعية ذاتها.
من العناصر المعرفية الأكثر إثارة للجدل في مشروع تحالف الشعب العريض هو تبنيه العلمانية الصريحة كشرط أساسي لدولة المواطنة المتساوية. والدراسة العلمية لهذه المسألة تتطلب تمييزًا دقيقًا بين مستويين من العلمانية.
☆ المستوى الأول هو العلمانية السياسية أو الإجرائية، والتي تعني حياد الدولة تجاه الأديان، وعدم تبنّي أي دين كدين رسمي للدولة، وضمان حرية المعتقد والممارسة الدينية لجميع المواطنين. هذا المستوى من العلمانية لا يتعارض مع وجود مجتمع متدين، بل ينظم العلاقة بين الديني والسياسي بما يضمن عدم استغلال الدين لأغراض سياسية أو سلطوية.
☆ المستوى الثاني هو العلمانية المعرفية أو الثقافية، والتي تعني تراجع نفوذ المؤسسة الدينية في المجال العام، وتحول التدين إلى مسألة فردية خاصة. في مشروع تحالف الشعب العريض، يبدو التركيز على المستوى الأول بشكل أساسي، أي علمانية الدولة وليس علمانية المجتمع. وهذا يمثل خيارًا استراتيجيًا واعيًا، لأنه يحاول تجاوز إشكالية “الدين والدولة” التي ظلت عالقة في السودان منذ الاستقلال، دون الدخول في مواجهة غير محسومة مع التديّن الاجتماعي السائد. فالمشروع لا يطلب من الناس التخلي عن دينهم، بل يطلب منهم فقط قبول مبدأ أن الدولة لا تتبنى أي دين، وأن جميع المواطنين متساوون أمام القانون بغض النظر عن معتقداتهم.
إن جوهر الرؤية الاستراتيجية لتحالف الشعب العريض يتمثل في الانتقال من “دولة الهوية” إلى “دولة المواطنة المتساوية”. فدولة الهوية، كما يصفها الباحثون، هي تلك الدولة التي تُبنى فيها الحقوق والواجبات على أساس الانتماء العرقي أو الديني أو الثقافي، بحيث تُمنح مجموعة بعينها امتيازات خاصة، وتُهمش أو تُقصى المجموعات الأخرى. هذا هو النموذج الذي ساد في السودان منذ الاستقلال، حيث هيمنت النخبة النيلية على مقاليد الحكم والثروة، وتم تهميش مناطق واسعة مثل دارفور والنوبة وجنوب السودان وجبال النوبة والبحر الأحمر. وقد ترتب على هذا النموذج عواقب وخيمة، تمثلت في اندلاع حربين أهليتين طويلتين، ونزاع دارفور منذ 2003م، وانفصال جنوب السودان عام 2011م، والحرب الحالية التي اندلعت عام 2023م. في مقابل ذلك، تقدم رؤية تحالف الشعب العريض نموذج “دولة المواطنة المتساوية”، حيث تكون المواطنة هي الشرط الوحيد للحقوق والواجبات. في هذا النموذج، لا فرق بين مواطن وآخر على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الثقافة أو المنطقة الجغرافية. الجميع متساوون أمام القانون، ولهم نفس الحقوق في المشاركة السياسية، والوصول إلى الثروة والخدمات، والتمتع بالكرامة الإنسانية. هذا التحول يتطلب، كما تشير الدراسات النظرية، إعادة بناء كاملة للعقد الاجتماعي، وتفكيك هياكل التمييز المتراكمة على مدى عقود.
إن الميزة الاستراتيجية لمفهوم المواطنة المتساوية تكمن في قدرته على تفكيك التراتبية القسرية التي قام عليها المجتمع السوداني السياسي لعقود. في النظام التقليدي، كان هناك تسلسل هرمي واضح: النخبة النيلية في القمة، تليها المجموعات الأخرى بدرجات متفاوتة من القرب أو البعد عن المركز. وقد تم إضفاء الشرعية على هذه التراتبية من خلال خطاب ديني وثقافي وسياسي، يصورها على أنها “طبيعية” و”مقدسة”. في المقابل، تقدم المواطنة المتساوية مبدأً معاكسًا تمامًا: لا أحد فوق أحد، والتفاضل يكون فقط على أساس العمل والإنتاج والكفاءة، وليس على أساس الهوية. هذا التفكيك للتراتبية القسرية هو، من الناحية الاستراتيجية، شرط ضروري لبناء دولة ديمقراطية حقيقية. فطالما ظلت هناك فئات “مواطنة من الدرجة الأولى” وأخرى “مواطنة من الدرجة الثانية”، فإن الديمقراطية تظل ناقصة ومشوهة، وتتحول الانتخابات إلى مجرد إجراء شكلي لا يغير شيئًا في توزيع السلطة والثروة. ومن هنا تأتي العلاقة العضوية بين الديمقراطية الليبرالية كخيار معرفي والمواطنة المتساوية كهدف استراتيجي: فالأولى تقدم الأدوات والإجراءات، بينما تقدم الثانية المضمون والمحتوى.
من أهم ما يقدمه مشروع المواطنة المتساوية، من الناحية التحليلية، هو إمكانية تحويل الصراع السياسي في السودان من صراع وجودي حول “من هو السوداني الحقيقي” إلى صراع سياسي عادي حول “كيف نوزع الموارد”. هذا التحول جوهري، لأن الصراعات الوجودية عادة ما تكون عنيفة ومستعصية على الحل، بينما الصراعات حول توزيع الموارد يمكن حلها عبر المفاوضات والمساومات السياسية والتسويات. ففي النموذج الحالي، يُنظر إلى الآخر المختلف على أنه “تهديد” لوجود الجماعة، مما يبرر استخدام العنف ضده. وفي المقابل، في نموذج المواطنة المتساوية، يُنظر إلى الآخر على أنه “منافس” على الموارد والسلطة، وهذا يمكن إدارته عبر الآليات الديمقراطية المعتادة. هذا التحول لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب تغييرًا في الوعي الجمعي وفي الخطاب السياسي السائد. وهو يتطلب أيضًا بناء مؤسسات قادرة على إدارة الصراع وتحقيق التوزيع العادل للموارد. ولذلك، فإن مشروع تحالف الشعب العريض يولي أهمية كبيرة للبعد الاقتصادي، ويدعو إلى أسس اقتصادية تركز على المواطن، وإعادة توزيع الثروة، وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية للجميع. فبدون العدالة الاقتصادية، تظل المواطنة المتساوية شعارًا فارغًا، وتستمر دوافع الصراع الهوياتي قوية.
تواجه رؤية الديمقراطية الليبرالية ودولة المواطنة المتساوية عقبات بنيوية عميقة، ترتبط بطبيعة تكوّين الدولة السودانية نفسها. لقد قامت الدولة السودانية الحديثة، منذ الاستعمار البريطاني، على نموذج مركزي شديد التمركز في وادي النيل، أهمل الأطراف وهمّشها. هذا النموذج لم يتغير بعد الاستقلال، بل تعزز وتعمق، حيث ظلت السلطة والثروة تتركزان في أيدي نخبة محدودة من أبناء الوسط، بينما تُركت الأطراف تعاني من التهميش والإهمال. وقد أنتج هذا النموذج ثلاث عواقب وخيمة:
● أولاً، أزمة هوية مزمنة، حيث شعرت الأطراف بأنها “ليست سودانية بما فيه الكفاية”، وأن الدولة لا تعبر عنهم ولا تمثلهم.
● ثانيًا، تفاقم الصراعات المسلحة، حيث لجأت الأطراف المهمشة إلى السلاح كوسيلة وحيدة للتعبير عن مطالبها، لأن القنوات السلمية كانت مسدودة.
● ثالثًا، إضعاف المؤسسات الديمقراطية، حيث استخدمت النخبة الحاكمة موارد الدولة لشراء الولاءات وتعزيز سلطتها، بدلاً من بناء مؤسسات قوية ومستقلة. هذه العقبات البنيوية لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها، فهي متجذرة في بنية الاقتصاد السياسي السوداني، وفي التوزيع الجغرافي للثروة والسكان، وفي طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف. ولذلك، فإن أي مشروع يهدف إلى بناء دولة المواطنة المتساوية يجب أن يتعامل بجدية مع مسألة اللامركزية والفيدرالية كآليات لإعادة توزيع السلطة والثروة، وليس فقط كإجراءات إدارية.
العقبة الأكثر إلحاحًا وأهمية هي الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023م. هذه الحرب ليست مجرد صراع على السلطة بين فصيلين عسكريين، بل هي، كما يصفها المحللون، “الانهيار المؤسسي النهائي للدولة ما بعد الاستعمارية”. فالحرب تدور اليوم بين جناحين من أجهزة الدولة الأمنية نفسها، بعد أن تعمّد النظام السابق إنشاء قوات موازية ومتنافسة للحفاظ على سلطته. وقد ترتب على هذه الحرب عواقب كارثية: سقوط أكثر من 150 ألف قتيل، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه، وتدمير البنية التحتية والمرافق العامة والخاصة، وانهيار الخدمات الأساسية، وانتشار المجاعة والأمراض. لكن الأسوأ من ذلك هو “تسميم بئر الثقة” بين المكونات الاجتماعية المختلفة، بارتكاب فظائع وجرائم حرب وإبادة جماعية، خاصة في دارفور. فقد اتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية دولية قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد المدنيين من قبائل المساليت والزغاوة والفور في دارفور،ايضا الجيش السوداني بنفس المنوال في مناطق متعددة. هذه الفظائع خلقت جروحًا عميقة لا تلتئم بسهولة، وجعلت فكرة “العيش المشترك” في دولة مواطنة متساوية تبدو بعيدة المنال، على الأقل في المدى المنظور. فكيف يمكن بناء دولة المواطنة المتساوية في بلد ارتُكبت فيه إبادة جماعية قبل أشهر؟ كيف يمكن الحديث عن “مساواة” بين الجلاد والضحية؟ هذه الأسئلة المؤلمة تطرح تحديات هائلة أمام أي مشروع سياسي طموح.
إلى جانب العقبات البنيوية والآنية، هناك عقبات إجرائية تتعلق بكيفية الانتقال من “النظرية” إلى “التطبيق”. فالمشروع، كما هو معلن، يقدم رؤية طموحة للمستقبل، لكنه لا يقدم برنامجًا انتقاليًا تفصيليًا لكيفية تحقيق هذه الرؤية على الأرض. هناك ثلاث إشكاليات إجرائية رئيسية تواجه المشروع.
● الإشكالية الأولى: كيف يتم وقف الحرب الحالية؟ المشروع يدعو إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، لكنه لا يقدم آلية واضحة لكيفية تحقيق ذلك، في ظل تعقيد المشهد العسكري وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
● الإشكالية الثانية: كيف يتم بناء “تحالف الشعب العريض”؟ المشروع يدعو إلى تحالف وطني واسع يشمل كل القوى المدنية، لكنه لم يحدد آليات تشكيل هذا التحالف، أو معايير العضوية فيه، أو كيفية التوفيق بين مكوناته المختلفة التي قد تكون متباينة الأيديولوجيات والمصالح.
● الإشكالية الثالثة: كيف يتم بناء مؤسسات الدولة الجديدة؟ المشروع يدعو إلى دستور ديمقراطي وحكومة مدنية فيدرالية، لكنه لا يقدم تصورًا واضحًا للمرحلة الانتقالية: كم ستستمر؟ من يديرها؟ كيف يتم تفكيك هياكل النظام القديم وبناء هياكل جديدة؟ هل سيكون هناك “عدالة انتقالية” ومحاكمة لمرتكبي الجرائم؟ هذه الأسئلة الإجرائية تحتاج إلى إجابات تفصيلية، لأن غيابها يجعل المشروع يبدو طوباويًا وغير قابل للتحقيق. ويضاف إلى ذلك تحدي “الإجماع الوطني”: فالمشروع يُطرح من حركة مسلحة زات مدرسة استراتيجية تعمل من خارج السودان بصورة اكثر كثافة من الداخل، وهذا قد يجعله يبدو بعيدًا عن الواقع اليومي للمواطنين وعن توازنات القوى على الأرض.
من أكثر الإشكاليات التي تواجه المشروع في التطبيق هي مسألة العلمانية. فبالرغم من أن المشروع يتبنى علمانية الدولة كشرط أساسي للمواطنة المتساوية، إلا أن هذا الموقف يصطدم بواقع اجتماعي وثقافي معقد. فالمجتمع السوداني، بمعظمه، مجتمع متدين، والإسلام يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الفردية والجمعية. وقد استُخدم الدين، عبر تاريخ السودان، كأداة للشرعنة السياسية، وكوسيلة للتمييز ضد “الآخر”، وكغطاء للتوسع العسكري والسيطرة على الموارد. لذلك، فإن فكرة “علمانية الدولة” كثيرًا ما يُساء فهمها في الخطاب السائد على أنها “إلحاد” أو “عداء للدين” أو “تقليد أعمى للغرب”. وهذا الفهم الخاطئ يخلق مقاومة مجتمعية واسعة لأي مشروع يقوم على فصل الدين عن الدولة، خاصة في صفوف المكونات الإسلامية التقليدية والمحافظة. المشروع، كما يبدو، يحاول التغلب على هذه الإشكالية بالتركيز على “علمانية الدولة” وليس “علمانية المجتمع”، أي أنه لا يطلب من الناس التخلي عن دينهم، بل يطلب فقط أن تكون الدولة محايدة تجاه جميع الأديان. لكن هذا التمييز النظري قد لا يكون مقنعًا بما فيه الكفاية للجماهير التي ترى أن الدولة يجب أن تعبر عن هويتها الدينية. وقد أظهرت تجارب دول أخرى أن قضية العلمانية تظل من أكثر القضايا إشكالية وإثارة للجدل في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. ولذلك، فإن نجاح المشروع يتطلب حملة توعية واسعة ومعمقة، لشرح معنى العلمانية وأهميتها لضمان حقوق جميع المواطنين، وليس فقط من باب “الموضة” أو “التقليد”.
إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة الحركة المطروحة للمشروع. فحركة تحرير السودان هي، في الأصل، حركة مسلحة نشأت في دارفور عام 2003م للمطالبة بالعدالة والتنمية والاعتراف بمظالم المنطقة. لكنها الآن تطرح نفسها كحامل لمشروع سياسي شامل للسودان كله، وليس فقط لدارفور. هذا التحول من “حركة تحررية إقليمية” إلى “حزب سياسي وطني” هو تحول صعب ويتطلب تغييرات كبيرة في الهيكل التنظيمي والخطاب والكادر البشري. فحركات التحررية المسلحة، بطبيعتها، تتبنى خطابًا ثوريًا وحماسيًا، يركز على المظالم والمطالب. أما الأحزاب السياسية الوطنية، فتحتاج إلى خطاب أكثر توازنًا وواقعية، يركز على البرامج والسياسات والقدرة على بناء تحالفات وإدارة الدولة. هذا التحول ليس سهلاً، وقد فشلت فيه العديد من الحركات المسلحة في أفريقيا وآسيا، حيث ظلت أسيرة عقلية “المعسكر” و”العدو” و”النصر” بدلاً من عقلية “التفاوض” و”التسوية” و”إدارة الاختلاف”. ويتطلب التحول أيضًا تغييرًا في طريقة التعامل مع السلطة: فحركات التحررية تعتاد على العمل من “خارج” النظام، وترفض أي شكل من أشكال المشاركة في السلطة قبل تحقيق “الغاية الكامل للمشروع “. أما الأحزاب السياسية الوطنية، فتعمل من “داخل” النظام، وتشارك في الانتخابات والمجالس النيابية، وتقبل بالتسويات والتحالفات. لذلك، فإن نجاح مشروع تحالف الشعب العريض يتطلب من حركة/جيش تحرير السودان أن تتحول إلى كيان سياسي مدني، يتعامل مع الواقع السياسي السوداني المعقد بكل تناقضاته بصورة اكبرواكثر استراتيجية، وليس كحركة ثورية تحتفظ بسلاحها وتعمل من مواقع النقاء الأخلاقي.
أخيرًا، هناك إشكالية كبرى تتمثل في أن المشروع يطالب بتطبيق نموذج ديمقراطي ليبرالي في ظل غياب الدولة ذاتها. فالديمقراطية الليبرالية، بأي معنى من المعاني، تتطلب وجود دولة ذات مؤسسات فاعلة: برلمان، حكومة، قضاء، جيش وطني، شرطة، إدارة عامة، نظام تعليمي، نظام صحي، إلخ. كما تتطلب وجود اقتصاد وطني قادر على توفير الحد الأدنى من الرفاهية للمواطنين. لكن الحرب الحالية دمرت معظم هذه المؤسسات، وجعلت الدولة السودانية على حافة الانهيار الكامل. فبحسب بعض المحللين، فإن “الدولة الموحدة لم تعد قابلة للإصلاح”، وأن “مسار التفكك” هو الأكثر ترجيحًا، إما عبر “تشرذم طويل الأمد” أو “تقسيم رسمي” بين مناطق سيطرة الجيش ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع. ففي ظل هذا الواقع، كيف يمكن الحديث عن تطبيق ديمقراطية ليبرالية تتطلب دولة قوية ومؤسسات قوية؟ هذا هو “المستحيل السياسي” الذي يواجه المشروع: فهو يريد بناء دولة المواطنة المتساوية، لكن الدولة نفسها التي ستحتضن هذه المواطنة إما مفككة أو في طريقها للتفكك. ربما يكون الحل، كما يقترح بعض الباحثين، هو البدء من “القاعدة” وليس من “القمة”: بناء مؤسسات محلية وإقليمية قوية في المناطق الآمنة نسبيًا، والتركيز على تقديم الخدمات الأساسية وحل النزاعات المحلية، وبناء “ثقافة المواطنة” من الأسفل إلى الأعلى. ثم بعد ذلك، عندما تهدأ الحرب وتنضج الظروف، يمكن التفكير في بناء دولة مركزية جديدة على أسس المواطنة المتساوية. لكن هذا الحل “التصاعدي” لا يتوافق مع طموح المشروع “التنازلي” الذي يريد تغيير النظام من القمة.
في الختام، يمكن القول إن مشروع تحالف الشعب العريض يمثل حالة نادرة من الوضوح المفاهيمي في الفكر السياسي السوداني المعاصر. فهو لا يقدم حلولاً ترقيعية أو تسويات هشة، بل يقدم رؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة: الديمقراطية الليبرالية كخيار معرفي، ودولة المواطنة المتساوية كهدف استراتيجي. هذا المشروع يتصدى بجرأة للإشكاليات الكبرى التي ظلت عالقة في السودان منذ الاستقلال: أزمة الهوية، أزمة المركز والأطراف، أزمة الدين والدولة، أزمة الحكم والسلطة. وهو يقدم نموذجًا بديلاً واضحًا ومتماسكًا، يتجاوز “دولة الهوية” إلى “دولة المواطنة”، ويتجاوز “منطق التراتبية القسرية” إلى “منطق المساواة الكاملة”. ومع ذلك، فإن التحليل العلمي يكشف أيضًا عن فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. فالعقبات التي تواجه المشروع هائلة، سواء على المستوى البنيوي، أو على المستوى الآني، أو على المستوى الإجرائي. كما أن هناك إشكاليات داخلية في المشروع نفسه، تتعلق بمسألة العلمانية، وطبيعة الحركة المطروحة له، والجدوى العملية لتطبيق نموذج ديمقراطي في ظل غياب الدولة. ربما يكون السؤال الأهم هو: كيف يمكن الانتقال من “النظرية” إلى “التطبيق”؟ كيف يمكن بناء دولة المواطنة المتساوية في بلد مزقته الحرب والانقسامات والفظائع؟ كيف يمكن إقناع الناس بأن “المواطنة المتساوية” ممكنة، بعد أن شهدوا بعيونهم أبشع صور التمييز والعنف والإبادة؟ هذه الأسئلة ليس لها إجابات سهلة، وتتطلب مزيدًا من البحث والتحليل والنقاش العميق. لكن الشيء المؤكد هو أن مشروع تحالف الشعب العريض يقدم مساهمة نظرية مهمة في النقاش الدائر حول مستقبل السودان، ويجبر الجميع على مواجهة الأسئلة الصعبة التي ظلت معلقة لفترة طويلة. وفي النهاية، يظل السودان في مفترق طرق خطير: إما أن يظل أسيرًا لدوامة الحروب والانقلابات والانقسامات، أو أن يجرؤ على اتخاذ خطوة جريئة نحو ولادة وطن جديد يقوم على الحقوق والواجبات والمواطنة المتساوية، وليس على منطق السلاح والهيمنة والإقصاء. إن اختيار هذا المسار أو ذاك ليس مجرد قرار سياسي، بل هو قرار وجودي يحدد مصير الأجيال القادمة.

28 أبريل 2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x