الذاتانية السودانية وبناء الدولة الوطنية: من هوية الإقصاء إلى هوية الانتماء والمواطنة والسيادة

بقلم: د.كمال عبدالعزيز
27 اغسطس 2026م
إن الحديث عن الذاتانية السودانية لا ينطلق من الرغبة في استبدال هوية بهوية أخرى، ولا من محاولة إنتاج تعريف مغلق للسوداني ينتمي إلى جماعة دون غيرها، وإنما ينطلق من سؤال أعمق يتعلق بكيفية استرداد الإنسان السوداني لذاته وهويته، وبناء وعي وطني قادر على استيعاب التنوع الاجتماعي والثقافي والتاريخي الذي تكوّن منه السودان. فالذاتانية السودانية، بهذا المعنى، هي وعي الإنسان السوداني بذاته باعتباره فرداً حراً، وعضواً في مجتمع متنوع، وشريكاً متساوياً في وطن واحد، لا باعتباره تابعاً لهوية عرقية أو دينية أو جهوية أو ثقافية تُفرض عليه من الخارج. إنها محاولة للانتقال من سؤال: “من نحن في مواجهة الآخرين؟” إلى سؤال أكثر نضجاً: من نحن معاً، وكيف نبني وطناً يتسع لنا جميعاً؟”. ومن هنا تصبح الذاتانية السودانية مشروعاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً لاسترداد الذات الوطنية من حالات التشظي والاغتراب والصراع، وتحويل التنوع من مصدر للانقسام إلى أساس لبناء دولة وطنية ذات سيادة.
وقد ظل سؤال الهوية في السودان مرتبطاً بصورة عميقة بأزمة الدولة نفسها. فحين تتحول هوية جماعة معينة إلى معيار لتعريف الوطن والمواطن، تصبح الدولة أداة لإعادة إنتاج التمييز بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً للمواطنة. والمشكلة هنا ليست في انتماء السوداني إلى ثقافته أو قوميته أو دينه أو لغته أو منطقته؛ فهذه كلها مكونات مشروعة للذات الفردية والجماعية، وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول إحدى هذه المكونات إلى هوية سياسية إقصائية تدعي تمثيل السودان كله، وتنظر إلى الآخرين باعتبارهم أقل أصالة أو أقل سودانية أو أقل استحقاقاً للحقوق. وهنا يظهر الفرق بين الهوية بوصفها مساحة للانتماء، والهوية بوصفها أداة للهيمنة. فالهوية الصحية تمنح الإنسان جذوراً وشعوراً بالأمان والانتماء، بينما الهوية الإقصائية تحتاج باستمرار إلى صناعة “آخر” لكي تثبت وجودها وتبرر امتيازها. ومن ثم فإن نقد الهوية الإقصائية في السودان لا يعني رفض الهويات الجزئية، بل يعني رفض تحويلها إلى مراتب سياسية واجتماعية تحدد قيمة الإنسان وحقوقه ومكانته في الدولة.
إن الانتماء السوداني الجامع لا ينبغي أن يكون هوية فوقية تلغي الخصوصيات، وإنما هو إطار وطني يعترف بها ويحميها. فالسودان ليس كتلة ثقافية واحدة، ولا يمكن اختزاله في ثقافة واحدة أو عرق واحد أو منطقة واحدة أو تصور واحد للتاريخ. السودان وطن تشكل عبر تفاعل طويل بين شعوب وثقافات ولغات وأديان وتجارب اجتماعية متعددة. ولذلك فإن الهوية السودانية الجامعة لا تقوم على إنكار هذا التنوع، بل على الاعتراف به وإعادة تنظيم العلاقة بين مكوناته على أساس المساواة. أن تكون سودانياً لا يعني أن تتخلى عن خصوصيتك الثقافية، بل يعني أن تصبح هذه الخصوصية جزءاً مشروعاً من فضاء وطني مشترك. فالهوية السودانية الجامعة ليست لوناً واحداً، وإنما مساحة يتجاور داخلها الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى تفاضل، ويتعايش فيها التنوع دون أن يتحول إلى صراع على ملكية الوطن.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز الذاتانية السودانية البعد الثقافي إلى البعد الاجتماعي والنفسي؛ لأن أزمة الهوية ليست مجرد أزمة تعريف سياسي، وإنما هي أيضاً أزمة علاقة الإنسان السوداني بذاته وبالآخر. فعندما ينشأ الفرد في مجتمع تُرسَّخ فيه صور التفوق والدونية، أو يُطلب منه أن ينكر جزءاً من ذاته حتى يصبح مقبولاً، فإن الصراع ينتقل من المجال العام إلى داخل النفس. وقد يؤدي رفض الهوية أو احتقار بعض مكوناتها إلى ضعف تقدير الذات، واضطراب الانتماء، والشعور بالاغتراب، والبحث المستمر عن هوية بديلة تمنح الإنسان الإحساس بالقيمة والأمان. لذلك فإن بناء الذاتانية السودانية يتطلب المصالحة مع الذات السودانية بكل مكوناتها، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية، بحيث لا يحتاج السوداني إلى إنكار أصله أو ثقافته أو لغته أو منطقته أو معتقده لكي يثبت سودانيته. فالإنسان الذي يشعر بالأمان في هويته يكون أكثر قدرة على قبول الآخر، بينما الإنسان الذي يعيش أزمة عميقة مع ذاته قد يحول اختلاف الآخرين إلى تهديد لوجوده.
وفي المجال السياسي، تصبح الذاتانية السودانية أساساً للانتقال من دولة الجماعة إلى دولة المواطن. فالدولة الوطنية ذات السيادة لا تُبنى بمجرد امتلاك مؤسسات رسمية أو حدود جغرافية أو علم ونشيد وطني، وإنما تقوم عندما يشعر المواطن أن الدولة دولته، وأن القانون يحميه على قدم المساواة، وأن السلطة لا تستخدم الهوية أو الدين أو العرق أو الجهة لتحديد قيمة المواطنين وحقوقهم. السيادة الحقيقية تبدأ من سيادة الإنسان على ذاته ومن مساواته بغيره أمام القانون، ثم تمتد إلى سيادة الدولة على أرضها وقرارها ومؤسساتها.
ولذلك فإن مشروع الذاتانية السودانية يرتبط بصورة مباشرة بمشروع بناء الدولة الوطنية: دولة لا تستمد شرعيتها من ادعاء تمثيل جماعة بعينها، وإنما من إرادة مواطنيها، ولا تستخدم التنوع لتقسيم المجتمع، وإنما تحوله إلى مصدر للقوة والتكامل.
ولا يمكن بناء هذه الدولة من خلال إنكار التاريخ أو محو الذاكرة أو مطالبة الضحايا بنسيان ما حدث. فالهوية الوطنية الناضجة لا تخاف من النقد، بل تحتاج إليه. ولذلك فإن مراجعة تاريخ السودان ينبغي أن تكون مراجعة نقدية وشجاعة تكشف جذور الإقصاء والتمييز والاستعلاء، كما تعترف في الوقت نفسه بإسهامات جميع مكونات المجتمع في تشكيل السودان. فالهدف ليس صناعة ذاكرة انتقامية جديدة، وإنما تأسيس ذاكرة وطنية قادرة على الاعتراف بالألم والظلم، ثم تحويل الاعتراف إلى عدالة ومصالحة وإعادة بناء. ومن دون هذه العملية سيظل الماضي حاضراً في العلاقات الاجتماعية والسياسية، وستظل الدولة معرضة لإعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
إن الذاتانية السودانية ليست دعوة إلى سودانية مغلقة، وليست مشروعاً لخلق تمييز إيجابي يتحول لاحقاً إلى تمييز سلبي ضد الآخرين. إنها، في جوهرها، تأكيد للهوية السودانية بوصفها هوية وطنية جامعة لا تحتاج إلى إلغاء أحد لكي تثبت نفسها. ولذلك فإن السوداني لا يصبح أكثر سودانية عندما ينتقص من سودانية غيره، ولا تصبح جماعة أكثر أصالة عندما تنفي أصالة جماعة أخرى. معيار الانتماء الوطني ليس اللون ولا القبيلة ولا اللغة ولا الدين ولا المنطقة، وإنما المواطنة والارتباط بالوطن والمشاركة في مستقبله واحترام حقوق الآخرين. ومن هنا يجب التفريق بين الاعتزاز بالهوية والتعصب للهوية؛ فالأول يبني الثقة والانتماء، بينما الثاني يحول الهوية إلى جدار يفصل الإنسان عن مواطنيه.
وعليه ، يمكن النظر إلى الذاتانية السودانية باعتبارها مشروعاً لاسترداد الإنسان السوداني قبل استرداد الدولة السودانية؛ لأن الدولة التي لا تسترد إنسانها ستظل معرضة لإعادة إنتاج أزماتها مهما تغيرت الحكومات والأنظمة. يبدأ الطريق من قبول الذات، والاعتراف بالتنوع، وتحرير الانتماء من عقدة التفوق والدونية، ثم الانتقال إلى المواطنة المتساوية، فالعدالة الاجتماعية، فالمشاركة السياسية، وصولاً إلى دولة وطنية تمتلك مؤسساتها وقرارها وسيادتها. وبهذا المعنى، فإن الذاتانية السودانية ليست مجرد نظرية في الهوية، وإنما مشروع لبناء الإنسان والمجتمع والدولة: إنسان متصالح مع ذاته، ومجتمع يعترف بتعدده، ودولة لا تنتمي إلى جماعة دون أخرى، بل تنتمي إلى جميع مواطنيها. وعندما يصبح السودان وطناً لجميع السودانيين دون تمييز، يصبح التنوع قوة، والانتماء أمناً، والمواطنة أساساً للشرعية، والسيادة تعبيراً عن إرادة شعب يمتلك دولته ويشارك في صياغة مستقبلها.



