مقالات الرأي

الراهن السوداني: تشريح الأزمة واستشراف المستقبل

بقلم: ايمن عبدالعزيز مهدى

لم يعد السودان يعيش أزمةً عابرة يمكن احتواؤها بإعلانٍ سياسي أو هدنةٍ مؤقتة، بل يقف أمام اختبارٍ تاريخي يعيد صياغة مفهوم الدولة ذاتها. فالحروب، مهما بلغت قسوتها، لا تُقاس بعدد البنادق التي أُطلقت، وإنما بما تُحدثه من تصدعاتٍ في مؤسسات الدولة، وفي العقد الاجتماعي، وفي ثقة المواطن بمستقبله. ومن هنا، فإن قراءة الراهن السوداني لا ينبغي أن تُختزل في متابعة الخرائط العسكرية أو البيانات السياسية، بل يجب أن تمتد إلى سؤالٍ أكثر عمقًا: كيف يمكن للسودان أن ينتقل من منطق الحرب إلى منطق الدولة؟
لقد كشفت الحرب عن حقيقةٍ مؤلمة، وهي أن السلاح قادر على هدم المدن، لكنه عاجز عن بناء الشرعية. وكلما طال أمد الصراع، اتسعت الفجوة بين القوى المتحاربة، وتضاعفت معاناة المدنيين، وتراجعت فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، فإن أي خطوة تُعيد السياسة إلى واجهة المشهد، مهما كانت محل جدل، تستحق أن تُقرأ بعينٍ تحليلية لا بعين الاصطفاف.
وفي هذا السياق، يبرز إعلان المبادئ الذي وُقّع في نيروبي بوصفه تطورًا سياسيًا يستحق التوقف عنده. فبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع أطرافه، فإنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة السودانية لن تجد مخرجًا مستدامًا عبر الحسم العسكري وحده، وأن البلاد تحتاج إلى إطارٍ سياسي يؤسس لحوارٍ أوسع حول مستقبل الدولة وشكل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم وحقوق المواطنة.
تكمن أهمية إعلان المبادئ في أنه يعيد طرح الأسئلة الكبرى التي ظلت مؤجلة لعقود: كيف تُدار دولة متعددة الأعراق والثقافات؟ وكيف تُبنى مؤسسات وطنية لا تخضع لهيمنة السلاح؟ وكيف تتحول المواطنة من شعارٍ دستوري إلى ممارسةٍ يومية تكفل الحقوق والواجبات للجميع؟ إن مجرد إعادة هذه القضايا إلى طاولة النقاش يمثل تحولًا من إدارة الأزمة إلى محاولة معالجة جذورها.
ومع ذلك، فإن التجربة السودانية تعلمنا أن الاتفاقات السياسية، مهما بدت واعدة، لا تكتسب قيمتها من توقيعها، بل من قدرتها على الصمود أمام تعقيدات الواقع. فقد عرف السودان سلسلةً من الاتفاقيات التي ولدت وسط آمال كبيرة، لكنها تعثرت بسبب غياب الإرادة السياسية، أو ضعف آليات التنفيذ، أو تضارب المصالح الداخلية والإقليمية. ولهذا، فإن إعلان المبادئ ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بداية لمسار محتمل، لا نهايةً للأزمة.
إن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة تحميه دون تمييز، وأن القانون يسمو على القوة، وأن المؤسسات تعمل لخدمة المجتمع لا لخدمة موازين النفوذ. فالسلام ليس حدثًا سياسيًا، بل عملية طويلة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع نفسه.
اقتصاديًا، لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل استمرار الحرب. فقد أرهق الصراع البنية الإنتاجية، وعطل الاستثمار، وأضعف الخدمات الأساسية، ودفع ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء. ومن ثم، فإن أي انفراج سياسي يفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح، شريطة أن يقترن بإصلاحات مؤسسية حقيقية تعزز الشفافية والعدالة في توزيع الموارد.
أما على المستوى الإقليمي، فإن السودان ليس دولة معزولة عن محيطها، بل يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار القرن الإفريقي ومنطقة حوض النيل. ومن هذا المنطلق، فإن المبادرات التي تستضيفها العواصم الإقليمية، ومنها نيروبي، تعكس إدراكًا بأن استقرار السودان مصلحة مشتركة، وأن استمرار الحرب ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الوطنية.
ومع ذلك، فإن مستقبل السودان لن يُصنع في أي عاصمة خارجية، بل سيُصنع بإرادة السودانيين أنفسهم. فالمبادرات الدولية والإقليمية تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تعبرها نيابةً عن أصحاب القضية. والتاريخ يؤكد أن الحلول الأكثر استدامة هي تلك التي تنبع من توافق وطني واسع، يشارك فيه الفاعلون السياسيون والمجتمعيون، ويضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان اليوم ليس استمرار الحرب وحده، بل أن تتحول الحرب إلى واقعٍ دائم، وأن يفقد المجتمع إيمانه بإمكانية العودة إلى الدولة. لذلك، فإن المحافظة على أي نافذة للحوار، مهما كانت صغيرة، تظل أكثر جدوى من توسيع ميادين القتال.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا من دماء أبنائه، ومن اقتصاده، ومن وحدته الاجتماعية. وحان الوقت لأن تنتصر الحكمة على صوت المدافع، وأن يُنظر إلى السياسة باعتبارها وسيلةً لإدارة الاختلاف، لا ساحةً لتصفية الخصوم.
إن إعلان المبادئ في نيروبي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا لطرف على آخر، بل كفرصة لإعادة توجيه البوصلة نحو مستقبل يتأسس على الحوار، وسيادة القانون، وبناء المؤسسات، وحماية وحدة السودان وسيادته. وإذا أحسن السودانيون استثمار هذه اللحظة، فقد تكون بداية طريقٍ طويل نحو سلامٍ عادل ودولةٍ تستوعب جميع أبنائها. أما إذا ضاعت هذه الفرصة كما ضاعت فرص سابقة، فإن كلفة المستقبل قد تكون أشد قسوة من كلفة الحاضر.
فالأوطان لا تنهض حين ينتصر طرفٌ على آخر، وإنما تنهض عندما ينتصر الجميع لفكرة الدولة. ومن هنا يبدأ الطريق إلى السودان الذي يستحقه شعبه: دولةٌ تُبنى بالعدالة، وتُصان بالمواطنة، ويظل السلام فيها مشروعًا وطنيًا لا مكسبًا سياسيًا عابرًا.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x